أفلامُ الرعب والإثارة والأكشن والتي تُعرف بها السينما الأمريكية، تنتج عنها شخصياتٌ تستقرّ في ذاكرة المشاهد، وقد تكون شخصياتٍ سيئة، وبالرغم من كره  الجمهور لها، تبقى راسخة في الذهن.

زومبي الجثةُ المتحركة ومصاصُ الدماءِ الشخصيةُ المخيفة والمعروفُ لدى محبّي السينما، بعد أن أنتجتْ عنه عدةُ أفلام، وغالبًا يُقتل زومبي فيرتاح الجميعُ من شره، والذي لم يمنع سوءُ مظهرِه من أن يكونَ هدفًا لكثيرٍ من ألعاب الفيديو، إضافة إلى أنه صار مدعاةً لسخرية الناسِ من بعضهم بعضًا حين يكونون في أسوأ حالاتِهم، فحينما يسوءُ مظهرُ أحدِهم أو يصاب بمرضٍ أو موجةٍ هيستيرية يُقال له: ها قد تحولت إلى زومبي، فما أشهرَ ذلك الوحش!

اهتمامُ منتجي الأفلام وشركاتِ الألعاب بشخصية زومبي منذ سنواتٍ عدة أمرٌ مستغرب، فتكرارُ الشخصية أمرٌ غيرُ معتاد، خصوصًا إذا كانت هناك حقوقٌ لمبتكر الشخصية، فمن ذلك الذي ترك حقَّه ليستغلَه الجميع!

المتابعُ للسينما الأمريكية يعرف جيدًا فيلمَ (قراصنة الكاريبي) والذي أصبح سلسلةَ أفلامٍ بعد إنتاج ٤ أجزاءٍ منه . بطلُ قصةِ الفيلم القبطان جاك سبارو، تارة يتناغم مع باربوسا وتارةً أخرى يتقاتلان، والشخصيتان تطمحان للسيطرة على أشهر سفينةِ قراصنة، وبعد ذلك الهيمنة على البحر الكبير كحلمٍ يراود معظمَ القراصنة.

القبطانُ باربوسا قائدُ اللؤلؤةِ السوداء تلك السفينةُ التي لُعنت هي وطاقمُها، بسبب سرقةٍ أقدمَ عليها الطاقم بقيادة كبيرِهم “باربوسا”، لكنز جزيرةِ الآزتك، كما عاش مغامراتٍ عديدةً في مختلف أجزاء الفيلم، كان في جميعها شخصيةً سيئةً لايحبه أحد .

وأنت تشاهد الفيلم تتساءل: لماذا اختار الكاتبُ أن تكون شخصيةُ قبطانٍ شهيرٍ بهذه الهيئة؟

مؤدّي شخصيةِ باربوسا قذرٌ جدًا في كلّ المشاهد التي يَظهر بها، رغم أنه يرتدي زيًّا أزرارُه من الفضة وتعتلي قبعتَه ريشةُ نعامٍ جميلة، ويحمل مسدسًا يتبين أنه أخذه من قرصانٍ أسبانيّ، وما سِرُّ التفاحةِ التي يحلم بأكلها وتستقر داخل أمعائه، بعد زوال اللعنة، باربوسا وطاقمُه أعادوا أموالَ الجزيرة، لكنْ رغمَ ذلك كان على أحدهم أن يُضحّيَ بدمائه حتى تزولَ اللعنةُ التي طيلة مصاحبتِها لهم كانوا يتمنّون لو زالت وماتوا، ولو أنهم مادخلوا الجزيرةَ أبدًا حتى لايظلوا معلّقين بين عالمَي الأمواتِ والأحياء، وهذا ما قاله اثنان من طاقم السفينةِ في أثناء حوارٍ بينهما.

الشخصياتُ المثيرةُ للجدل في الأفلام كثيرةٌ وعديدةٌ مثل شخصيةِ الشيطانِ القويّ الذي تصعب هزيمتُه، والساحرِ المحبوبِ والساحرةِ التي تلبّي أحلامَ الفتيات والجنّيّ الطيب والبطل الذي يستمدّ قوتَه من الخمر، ليساعدَ الضعفاء، وأخرى عديدة .

لكن استوقفتني شخصيتا زومبي وباربروسا، لأنّ حقوقَ هاتين الشخصيتَين تعود للمسلمين، وجرى تزييفُ صورتِهما وتشويُهها بطريقةٍ بشعةٍ تُسيء إلى تاريخ قائدَين مسلمَين عاشا وماتا نُصرة للدين.

القرصانُ باربوسا الذي يُظهره فيلم قراصنة الكاريبي رجلا سيئا سكيرا ملعونا، بسبب السرقة، وكلُّ طموحه أن يكونَ قرصانا شهيرا، هو خيرُ الدين بربروس، واسمه خضر بن يعقوب. لقبّه السلطانُ سليم الأول بخير الدين باشا، وعُرف لدى الأوروبيين ببارباروسا، أي ذو اللحيةِ الحمراء، وهو أحدُ أكبر قادةِ الأساطيل العثمانية، وأحد رموز الجهادِ البحري، تولّى منصبَ حاكمِ إيالة الجزائر، ثم عيّنَه السلطانُ سليمان القانوني قائدا عاما لجميع الأساطيلِ البحرية للخلافة العثمانية.

وكان يشنّ غاراتِه على سواحلَ وسفنِ إسبانيا والبندقية وفرنسا والباباوية وجنوة، بالإضافة إلى تعرّضه للسفن التجارية والحربية التابعةِ للدول الأوروبية التي لا تربطها معاهدةُ سلامٍ مع الدولة العثمانية، وتمكن من استعادة مدينةِ بجاية، وحمايةِ مدينتي الجزائر وجيجل، واستقرّ في جيجل ثم في سنة 1514م اتخذ من الجزائر دارًا ومركزًا للقوات العثمانية.

تصدّى خير الدين للحملة العسكرية على الجزائر التي قادها ملكُ صقلية هيكو دي مينكادا في سنة 1519 م، كما تمكن من إنقاذ أكثرَ من 70 ألف  مهاجر أندلسي، ونقلهم إلى الجزائر، وطرد الإسبانَ نهائيًا من قلعة البينيون التي كانوا يحتلونها قبالة مدينة الجزائر عام 1530.

لم يكن باربوسا قرصانًا ولم يكن سكّيرًا، ولم تضحك عليه ابنةُ الحاكم على متن السفينة كما صوّره الفيلم، ذاك المجاهدُ المغوار الذي صال وجال في المتوسط وأوجع أساطيلَ البابويين، عاش بطلًا ومات بطلًا، فكيف للمسلمين أن ينسَوه أو يتقبلوا إظهارَه بهذا الشكل!  خيرُ الدين الذي يستنشق عبقَ الدينِ الحنيف لم ينسَ دينَه في عرض البحر، واصطاد من أعداء الدين الإسلاميّ أكثرَ من اصطياده للسمك، يكفي المسلمين فخرًا أنهم في عهده ملَكوا البحرَ بعرضه .

كذلك زومبي لم يكن مصاصَ دماءٍ متحوّلا، ولاوحشا مرعبا، كما علقت صورته بأذهان الجميع، كان شخصية عظيمة وبطلا من أبطال دولة الإسلام في البرازيل، ظهر بعد احتلالِ البرتغاليين للبرازيل عام ١٧٧٥م، واسمه “جانجا زومبي”، عمل زومبي على دعوة الناس للدين الإسلاميّ لمدة طويلة، وبعد أن جمع عددا كبيرا منهم أعلن قيام دولةٍ شعارُها الإسلامُ في البرازيل وجعل مركزَها «بالميراس»، لكن قيام هذه الدولة لم يكن يعجب أوربا، لأنها كانت تحكمها الكنيسة، لذا شنت عدةَ حملاتٍ صليبية، لإسقاطه على مدى خمسين عامًا، وبسبب كثرة هذه الحملات ضعفتْ دولتُه تدريجيا وسقط «جانجا زومبا». وعندما عثر البرتغاليون على الزومبي تعاملوا مع جثمانه بهمجية، حيث قاموا بقطع رأسه وأعضاءِ جسمه وشوّهوه، وعرضوه على الناس، وتعاملوا مع أتباعِه بالقتل والبيع في سوق العبيد . واستمرت إبادةُ المسلمين لعقدين من الزمن حتى لا يبقى لجنجا زومبي تاريخٌ يُذكر.

ومانراه اليوم من صورةٍ ذهنيةٍ لزومبي وباربوسا وغيرهم، هو أمرٌ أعدّ له أن يكون كذلك، فكلّ من حارب الحُكم البابويّ وأثخن بجيوشم شوّهوا صورته، وعملوا على محوِ تاريخِه، هم يملكون الإعلام والسينما، ونحن نستقبل كلَّ ما يصنعونه، ونأكل كلَّ مايطبخونه، فهذا حال المستهلك.

يبدو أنّ هناك من لم ينسَ الماضي، وهذا أمرٌ بديهي، فلذلك وجد التاريخ، لكن يُعاب على الباحثين والمؤرخين المسلمين أنهم حصروا تاريخ أمتَهم بفترة بعث النبوة والخلافةِ الراشدة، ثم انقسموا بين مُجرّح ومُمجّدٍ للخلافتين الأموية والعباسية، إضافة إلى العثمانية، واستمرّوا على هذه الانقسامات، فصار الولوجُ إلى شخصياتٍ استبسلت في حمل رايةِ الإسلام خلال هذه الفترات أمرًا يثير عاطفةَ البعض ويستفزّ آخرين.

حملاتُ الإبادة التي شُنت ضدّ المسلمين في أزمنةٍ مختلفة ومواطنَ مختلفة، تمّ محوُ معظمِها من التاريخ بشكلٍ أو بآخر، وعملياتُ السخرية العلنيةِ من قيادات جيوش المسلمين ومفكريهم وقادتِهم تجري في العلن وبلا أيّ خجلٍ أو مراعاةٍ للجوانب الأخلاقية، فشبابُ الأمة يقرأون لأولئك الباحثين والمفكرين الذين قصّروا فيما يكتبون، ومن لم يحرصْ على ماله يُسرَق، ومنْ يجهلْ كيف يُكتب التاريخُ تنطلي عليه أمورٌ عدة، علينا أن نكون أوفياءَ لمن ضحّى من أجل إبقاء هذهِ الرايةِ عالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد