العائلة، التربية، البيئة... مفاهيم جعلت أفلام

«الفن يتحدى التكنولوجيا، والتكنولوجيا تستلهم من الفن»*  جون لاستير

لطالما كانت أفلام بيكسار أفلاما ذات سيادة مبجلة في مجال الرسوم المتحركة، ولطالما كان لها السبق والتفوق والعُلا في منحنا قطعة من فطيرة الأنميشن تختلف نكهتها من قضمة لأخرى، أفلامٌ ارتوينا من خلالها مودة وصبابة مفهوم العائلة في فيلم «كوكو»، وآصرة اللطف والحب، بين بشاشة الطفولة ومهجة ألعابٍ شيدت بهجتنا في فيلم «حكاية لعبة»، وأخرى جادت لنا بشكوى انتكاس البشر عن موطنهم الأزرق، في ظل قصة حب آلية في فيلم «وال-إي» وكثير من الإنتاجات التي أيقظت ذلك المدلل صاحب 12 سنة فينا.

رسالة هادفة، اجتماعية كانت أو حتى بيئية، هذه هي طريقة «بيكسار» في خلق أعمالها الفذة، فهي لم ولن تكون انعكاسًا لباقي صناع هذا المجال، الذين يبتدعون شخصيات خسيسة مركبة بزخرف قولٍ خالٍ من أي معنى، وجودة رسوميات قد تشعرك بالغثيان، وقصة تحت خط الدناءة، ليمنحوا للمشاهد أعمالًا وضيعة خاوية على عروشها. وهنا، يأتي شروق ضوء بيكسار ليبدد لنا ضباب تلك الأعمال الناقصة، ويكرمنا بقصص خلابة، مسكت يد جيل بأكمله ونقشت أسماء إنتاجاتها في قلب ثقافتنا الشعبية، لتصبح ليس فقط مصنعًا منتجًا، بل باتت رمزًا يُذكر عند ضرب المثل بالسينما العائلية النظيفة.

ولادة الشركة 

كان هذا الاسم السحري مجرد قسم لأعمال «المؤثرات البصرية» في شركة الغني عن التعريف «جورج لوكاس»، هذا القسم كان اسمه The Graphics Group، والذي كان تحت إشراف وقيادة «إد كاتمول».

استقبلت الشركة سنتا 1984 و1985 بحلة سوداء، إذ واجهت خلالهما نكسة مالية، سببها الأول انفصال «جورج لوكاس» عن زوجته، ما اضطره لإعطائها نصف ممتلكاته، والسبب التاني كان نشوب خلاف حول تقسيم ما حصده الجزء الثالث لفيلم «حرب النجوم»، وموازاةََ مع هذه المشكال، حدث أمر بعيد عن الشركة، والذي سيكون القطعة الأخيرة لتكملة لوحة «بيكسار»، وأتحدث هنا عن طرد «ستيف جوبز» بسبب خلاف داخل شركة «آبل»، ما سيدفعه للاتجاه لمشاريع أخرى، وهنا، سيقوم بشراء الحقوق التكنولوجية في قسم The Graphics Group، وسينظم إليه ما يزيد عن 40 موظفًا لينشئوا شركة مستقلة عام 1986 سموها «بيكسار». لتبدأ الحكاية حينها.

           الصورتين لـ«ستيف جوبز» و«جورج لوكاس» مأخودتين من موقع IMDb

على حافة السقوط 

منحت شركة «ديزني» لبيكسار 26 مليون دولار لإنتاج 3 أفلام رسوم متحركة، وقد كان هذا بسبب «جون لاستير» الذي وطد العلاقة بينهما، حيت كان موظفًا سابقًا لدى «ديزني» قبل أن ينتقل إلى «بيكسار». وقد كان أيضًا صاحب فكرة إنتاج الشركة لأفلام قصيرة، تعبر من خلالها عن قوة وحذاقة برمجها وأجهزتها.

تحت إشرافه، أخرج «جون لاستير» أربعة أفلام قصيرة، كان أهمها Luxo Jr الذي خلق فكرة «المصباح الكهربائي المتحرك»، والذي سيكون لاحقًا شعارًا رسميًا للشركة، ومنه أيضًا ستنبثق فكرة صناعة الجزء الأول لفيلم «حكاية لعبة»، وهي الفكرة التي ستغير تاريخ صناعة الأنميشن للأبد.

ورغم عدم وجود استشراف بنجاح الفيلم، بدأ «جون لاستير» وفريقه في تحويل فكرة «حكاية لعبة» إلى عمل سينمائي، وفي خضم ذلك، حصل المشروع على قيمة كبيرة في هوليوود، بعد انضمام الممثل الكبير «توم هانكس» إلى فريق العمل ليقوم بالأداء الصوتي لشخصية «وودي» راعي البقر، خصوصًا أنه كان في ذروة ازدهاره، بعد حصوله على جائزتي الأوسكار عن أفضل ممثل على توالي سنتي 1993 و1994.

في نهاية سنة 1994 أصيبت الشركة بالشلل، بعدما وصلت إلى مرحلة حرجة من الديون، حينها فكر «ستيف جوبز» ببيعها إلى شركات أضخم، على رأسها شركة العبقري «بيل غيتس» العملاق «مايكروسوفت».

           الصورتين لـ«توم هانكس» و«جون لاستير» مأخودتين من موقع IMDb

بزوغ فجر جديد 

انتقلت فكرة بيع الشركة إلى مرحلة متقدمة، لتتوقف فجأة بعد سماع «ستيف جوبز» لأراء النقاد حول الفيلم، والتي سلطت ضوء الأمل عليه. وفعلا، ظهرت أولى ملامح الفلاح للشركة، عندما دخل الجزء الأول لفيلم «حكاية لعبة» غمار شباك التذاكر، والذي أحرز صدفة من رحم المستحيل، واستطاع إغاثة الشركة من بيع نفسها بعد تعاظم الديون على كاهلها، عبر تحقيقه 360 مليون دولار عالميا في فترة عرفت اعتلاء شركة ديزني عرش النجاحات القياسية لأفلامها الكلاسيكية، مثل «الجميلة والوحش» عام 1992 و«الأسد الملك» عام 1994. لتظفر الشركة عندها بتذكرة الالتحاق بصفوف الدرجة المميزة في السينما الهوليودية، وتهبنا بعدها حزمة غزيرة من الأفلام، آخرها المسمى «أون وورد» والذي أصفه بعدما تناوَلَتْه عيناي مرتين بـ«الوصفة السوسيولوجية لتعزيز أواصر القرابة». حياكةٌ بأسلوبِ سردٍ تقليدي ما أضاف للبناء الدرامي واقعية أكبر، وجعلها تنبض بالمشاعر، الحوار مليء بعبارات القيم الهادفة، إجادة حذقة للغاية في تصميم الرسوميات ستجعلك أسيرًا في خيالها، وختامية ساحرة ستزرع فيك شوق انتظار عمل آخر لبيكسار.

          صورة لقادة شركة «بيكسار» مأخودة من موقع Wikimedia Commons

«العائلة» تحت مجهر «بيكسار»

الخلية المكونة للمجتمع، أفراد تجمع بينهم صلة القرابة، هذا هو مفهوم العائلة في شكله الظاهري البين، لكن عندما نتحدث عن أفلام «بيكسار» فإن الشركة اتخذت بعدًا فلسفيًا أكبر في استعراضه داخل أفلامها، ومنحته ثقلا سوسيولوجيا أكبر. ولم تقف في استظهاره بصورة واحدة، بل اختلفت طلة المفهوم من فيلم لآخر. على سبيل المثال ظهر في فيلم «حكاية لعبة» ما يسمى «بالأسرة النووية» وهي الشكل التقليدي للعائلة، المتكون من اثنين من الآباء والأطفال، وتمثلها أسرة «أندي».

لكن اذا نظرنا للقصة من زاوية أخرى نجد شكلًا آخر لمفهوم العائلة أكثر عمقًا، وبعيدًا عن كونه «صلة القرابة»، ويتمثل في الآصرة القوية بين «أندي» وألعابه، آصرة نسج فيها ذكرياته معهم، وشيد طفولته تحت حاشيتهم، لتنتقل العائلة هنا من المفهوم التقليدي السائد في المجتمع إلى مفهوم فلسفي يصور الترابط والتكامل بين الذات الواعية ولعبة جامدة مبتسمة. هذا من جهة، من جهة أخرى، نرى مفهوم العائلة الممتدة أو ما يعرف «بالعشيرة» في فيلم «كوكو»، والتي يتكون هيكلها من شخصين بالغين أو أكثر من ذوي الصلة، سواء بالدم أو الزواج، الذين يعيشون في نفس المنزل، وتضم هذه العائلة العديد من الأقارب الذين يعيشون معًا، ويعملون لتحقيق أهداف مشتركة. في هذا الفيلم، نلاحظ أن شركة «بيكسار» قد أظهرت لنا أسرة الفتى «ميجيل» على أنها اسرة عاطفية، يتبادلون مشاعر الود والحب فيما بينهم، والقوة المتمثلة في قدرتهم على اتخاذ القرارات، وهنا مفهوم العائلة قد تبنى أطروحة الفيلسوف سيغموند فرويد حين قال «العائلة وحدة اجتماعية شاملة، تتشكل من الضرورات العاطفية أولا، والمادية والبيولوجية والاقتصادية بعدها».

اختلف مفهوم العائلة عبر العصور، وانتقل من كونه قرابة بيولوجية لدى البعض، إلى كونه مجموعة مختلطة من الأفراد قد تكون تبنيًا أو شراكة أو حتى صداقة عند البعض الآخر، وهو ما يجعل منه مفهومًا كبيرًا في دراسته، لكن شركة «بيكسار»، قد ألقت النظر عليه من نافذه أخرى، ورسمته بألوان العاطفة والحب، الإخلاص والإخاء، المودة والوجدان.

                                           صورة لعائلة «ميجيل» مأخودة من موقع Tor

«بيكسار» معلم في التربية

تبنت شركة «بيكسار» مفهوم التربية من منظور أخلاقي سليم، وجعلته أحد أهم عوامل بناء عالمها، فأفلامها التي تتبنى المفهوم العائلي، دائما ما نجد التربية تقابلها، وقد أطرت الشركة عدة جوانب من هذا المفهوم، أهمها قضاء الوقت مع الطفل، منحهم الحب الامشروط في جعلهم يثقون أن آباءهم سيحبونهم بغض النظر عما يفعلونه أو يقومون به، تكثيف الثقة فيهم، عبر مساعدتهم في الإيمان بأنفسهم. كل هذه الأمور لمسناها وبوضوح في فيلمها الغني عن التعريف «قلبا وقالبا»، والذي تدور أحداثه داخل عقل الطفلة «رايلي» البالغة من العمر 12 عامًا، والتي تقف على أعتاب سن البلوغ، لتجسد مشاعرها بشكل مصور، عبر شخصيات تتصارع وتتفاعل فيما بينها، في مدينة تحاكي مدينة سان فرانسيسكو. ونشأت رايلي في الغرب الأوسط الأمريكي، وتضطر للانتقال مع والدها إلى مدينة سان فرانسيسكو، نظرًا لظروف عمله الجديدة، لتجد نفسها في حالة من عدم التأقلم، والارتباك فيما يتعلق بالمنزل والمدرسة والمدينة. وتسيطر على رايلي مشاعر متناقضة، ما يجعلنا ندخل أعماق عقلها، لنرى تأثير تلك العاصفة من المشاعر المتناقضة عليها، وعلى طريقة تفكيرها وهنا سيأتي دور الأبوين في تكثيف الثقة في نفسها، وتصليب شخصيتها، في خضم زوبعة التغيرات التي تشهدها.

غرس الأخلاق والقيم النبيلة الهادفة، هذه هي وصفة التربية الأخلاقية في بناء الطفل، وهي نفس الوصفة التي تقدمها لنا «بيكسار» في معضم أطباقها السينمائية التي تتبنى مفهوم العائلة، ولطالما كانت الشركة صاحبة السبق في تسليط الضوء على هذا الجانب، ومنحه صبغة واقعية يستفيد منه الكبير والصغير.

           صورة تجمع الشخصيات المعروفة من أفلام شركة «بيكسار» مأخودة من موقع wallpaperswide

«بيكسار» والفريق الأخضر

في ظل ما يعرف بالثورة الصناعية، والتي وصلت أعلى درجات التقدم في عصرنا الحديث، دخلت البيئة مرحلة الاحتضار البطيء، ورغم التوعية التي تقدمها معظم الوسائط الإعلامية، لم يأخدها أحد على محمل الجد، وصار كل شخص يهدد البيئة بطريقة أو بأخرى، وهذا راجع حسب الكثير من الناس إلى الطرق التقليدية في التوعية. هنا، يأتي دور شركة «بيكسار» في تبليغ رسالتها الخضراء، ولعل أبرز إنتاجاتها التي تحدثت عن مشاكل التلوث، نجد فلم «البحث عن نيمو»، وأيضًا فيلم «البحت عن دوري»، اللذان أظهرا لنا مشاكل المحيط وما يحدث في غياهبه من تلوث قاتل.

هذا ما يعرفه معظكم عن الشركة، لكن الخفي والذي سيتم التطرق إليه لأول مرة في هذا المقال، هو ممارسات الاستوديو الصديقة للبيئة في أرض الواقع. ما بدأ كجهد شعبي بقيادة الموظفين منذ 11 عامًا، ثم نمت المجموعة إلى أكثر من 100 موظف تحت اسم «الفريق الأخضر». مهمتهم بسيطة، تكمن في تشجيع الإجراءات الواعية بيئيًا من قبل الموظفين والاستوديو ككل، كما تلق الفريق الأخضر دعما كبير جدا من قادة شركة «بيكسار»، وأشادوا بالأدوار التي تقوم بها في رفع مستوى الوعي، وشارك الفريق الأخضر في عدة تظاهرات بيئية، وانخرط مع المجتمع المدني في عمليات التنظيف والتطوع، وأقام جولات تحسيسية في عدة مؤسسات تربوية في الولايات المتحدة الأمريكية.

          صورة للفريق الأخضر في اليوم العالمي للأرض سنة 2019 مأخودة من موقع producersguild

في النهاية سأقول، أن عالم الأنميشن لا يقل أهمية عن باقي الأصناف السينمائية الأخرى، فهو يعتبر تحلية في قائمة الوجبات السنمائية الدسمة، ولا تنس، عندما ترى مقدمة فيلم تحتوى على مصباح مكتبي يقفز، فاعلم أنك على وشك استقبال ضيف رفيع الشأن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد