لم أعُد أدري مؤخرًا هل كانت تترتب الفوضى بداخلي مع الوقت، أم أنني كنت أعبث بفوضاي فحسب فأظنها ترتبت؟!

جُل ما كنت أعرفه حينها أنه بين ثنايا تلك الفوضى، كان هناك دائمًا فكرة واحدة، ترقد في سلام وتدور حولها فوضاي، تتجاذب وتتنافر بداخلي فيضطرب خارجي! حتى استيقظت ذات صباح وقررت إيقاف ذلك العبث بداخلي، لكني لم أكن أعلم أن عبثًا من نوع جديد على وشك البدء.

ثمة اعتقاد بداخلي أن العقل كالصندوق، وأنه لإخراج فكرة من عقلك عليك بدس أخرى لتحل مكانها، كنت أرى أن سبب الفوضى بداخلي هو تلك الفكرة التي تعبث بي من الداخل، لذلك قررت التخلص منها، وهنا بدأ يراودني سؤال منطقي للغاية، بمَ قد أستبدلها؟ ما الشيء الذي يستحق أن أسعى لإدخاله عقلي بنفسي.

مهلًا، أوليس كل ما بعقلي قد دخل إليه بإرادتي؟ تُري كم من الأفكار بداخلي تسللت خلسة، وكم منها دخلت بكامل اختياري؟!

تطور السؤال لأسئلة وجودية تطن بعقلي، لمَ أعيش؟ ما الجدوى مما أفعله؟

أسئلة كثيرة ومعقدة لأنني اعتقدت أن شيئًا عظيمًا يجب أن يدخل عقلي بدلًا من تلك الفكرة، حتى توصلت لحل أقل تعقيدًا.

كان الهدف في البداية هو الاستبدال في حد ذاته، فقررت الوصول للهدف مباشرة دون حلول معقدة، قررت أن أفكر بشيء بسيط كلما راودتني الفكرة التي أسعى للتخلص منها، لا أدري لمَ كان الطعام أول ما تبادر إلى ذهني حينها، ربما كنت جائعة، كان اختياري لنوع محدد من الطعام «البيتزا»، قررت أن أفكر في شكل البيتزا ومذاقها كلما حاولت تلك الفكرة العبث معي، بدا الأمر لي غريبًا وغير مُجدٍ، ولكنه كان الأنسب مقارنةً بما سبق.

في البدء كانت فكرة واحدة تؤرقني وتعبث بي، ثم تحول الأمر لرحلة البحث عن بدائل، رحلة بددت تلك الفكرة التي ظننتها هي سبب الفوضى، ولكن الفوضى بداخلي لم تتبدد، وكانت تلك هي المفارقة التي جعلتني أتَنَبَه لشيء آخر !

جعلتني أتنبه أنه خلال تلك الرحلة توصلت لشيء غير الذي سعيت له في البداية.

لا يمكن لفكرة أن تعبث بي أو تتسبب في الفوضى، لا يمكن أن تدور حياتي حول فكرة! تضطرب وتعتدل تبعًا لها، من غير المنطقي أو البديهي أن تتوجه بوصلة حياتي بإشارة فكرة، إنما السبب الحقيقي هو أنا من البداية، تفكيري، تقلباتي، أرقي، مصدرهم جميعًا شخص واحد، هو أنا، تلك الفوضى أتت من داخلي، كنت مبعثرة من الداخل، أولوياتي مبعثرة تمامًا مثلي، أفكاري مشتتة، وكأن الضباب يسكنني، لأنني أرى الحل ولا أقوى عليه، فحاولت إخفاءه بين طيات ذاك الضباب، كان الحل لإنهاء ذلك العبث، هو إعادة نظر في أمور كثيرة وإعادة ترتيب لأمور قد تكون أكثر أو أقل، كان الحل في حسم بعض القرارات، الفكرة التي تؤرقني لن تفنى باستبدالها، وإنما تفنى بقطع خيوطها الواصلة بين داخلي وخارجي، كان الحل لما يضطرب بداخلي، هو خطوة أخطوها خارجي، خارج حدود عقلي الذي كان يوشك أن يتحول لقطعة بيتزا كبيرة.

جميعنا نملك تلك الفكرة التي تعبث برؤوسنا ليل نهار، فكرة تفنى بخطوة، ولكننا لا نقوى عليها، أو هكذا يُخيل لنا، فنسعى لاستبدالها بقطعة بيتزا. كان ذلك ما توصلت إليه، وقد ارتضيت أن يصبح هو قطعة البيتزا التي يجب أن تحل محل فوضاي لفترة من الوقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد