إن رواية «فارابا» لكاتبها الشاعر عبد المنعم الأمير، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في العراق فرع نينوى، وهي رواية كتبت في فترة سيطرة تنظيم الدولة على مدينة الموصل العراقي. والرواية تعد من السير المكانية، فهي حكاية مكانية بامتياز، تحكي قصة مدينة، مصورة فترة من فتراتها بعين فانتازية.

إن العنوان هو أول دلالة مكانية في الرواية فـ«فارابا» مأخوذ من مدينة «فاراب»، وهي مدينة الفارابي والواقعة في كازاخستان الآن قرب نهر شيحون، والعنوان مرتبط بمحتوى النص ارتباطًا قويًّا، ومعبّر عنه تعبيرًا مكانيًّا، فالفارابي أسس فلسفته على مبدأ المدينة الفاضلة «يوتوبيا»، كذلك المؤلف قد أسس «الدستوبيا» المدينة غير الفاضلة، وبذلك حقق المعادل الموضوعي.

من دلالات المكان في الرواية وأقواها وأوضحها أنها بنيت على المكان من أساسها، فالرواية رواية مكان «مبتسمًا نظر خلال الشباك، والسماء تغسل حديقة بيته بالماء والبرد، أمسك هاتفه والتقط صورة، يعشقها هذه المدينة، وكالعشاق العذريين الذين ما استطاعوا كتمان حبهم، فقضوا على مذبحه، نشر الصورة على الفيس بوك، وكتب تحتها: «هذه مدينتي الجميلة»!» ليؤخذ من قبل السائبة ويقتل بتهمة الردة. لتبدأ الرواية من هذا المكان المدينة الجميلة. ويقال إنها طبيبة وليست طبيب، رفضت الخروج من المدينة حتى تساعد المرضى في المشفى.

فالمكان طاغٍ ومهيمن على أجواء الرواية من بدايتها، ولتعدد الأمكنة فيها انتقينا مكانًا هو الأساس والأصل، وإن كان غير ظاهر في الرواية بذلك الدّور المرجو للبطل، لكن هذا ما أضفى عليه الجدّة والجمال، ألا وهو «الرصيف» فقد تكررت هذه المفردة 11 مرة فقط، وباشتقاقات مختلفة؛ لكنها كانت اللبنة الأساس في البناء الروائي.

وللمكان مكانة بارزة في الفلسفة اليونانية؛ فهو ما كان قابلًا للشيء وحاويًا له. ثم جاء أرسطوطاليس وقسّمه إلى نوعين: عام، يحوي الأجسام كلها. وخاص يحوي شيئًا واحدًا لا غير، وعادة ما يكون مرتبطًا بالشخص.

ثم وصفه أرسطو بأنه: سطح مماس للجسم المحوي، ويكون على نوعين: خاص بجسم واحد، ومشترك يحوي أكثر من جسم. ثم جاء الجرجاني ليفرق بين المكان عند الحكماء الذين قالوا بأنه السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، وعند المتكلّمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وينفذ فيه أبعاده. وهو أشياء متجانسة ظاهرة وحالات ووظائف وأشكال متغيرة، تربطهم العلاقة المكانية المألوفة/ العادية ممثّلة بالاتصال والمسافة وغيرها.

والمكان في العصر الحديث كما عرّفه الدكتور إبراهيم جنداري، هو الإطار المحدّد لخصوصية اللحظة المعالجة، والحدث لا يكون في لا مكان، بل إنه في مكان محدد.

وللمكان بنية نصية متحققة في أنساق مكانية أكثر عمومية، وقد تكون هناك «أنساق مجملة لأعمال كتاب معين، أو أنساق لتيارات أدبية، أو أنساق لثقافة من الثقافات الإقليمية»، وتمثّل هذه البنية صيغة من صيغ النسق العام، غير أنها خاصة تدخل وبطريقة محددة في صراع مع غيرها من الصيغ من خلال تحطيم أوتوماتيكية اللغة.

إنّ المكان إطار تجري فيه الأحداث وتتطور كما في روايات بلزاك، وتتباين اجتماعيًّا مع زولا وبقية أتباع المدرسة الطبيعية، وهو مرآة عاكسة للصدى النفسي للشخصية، إذ يتماثل -دلالة وتركيبًا- مع ما يعتمل في أعماقها.

فالرواية بدأت بقيامة شخص مقطوع الرأس، أي بدأت باللاستقرار واللاثبات «دهمته الشمس بأشعتها السوداء، لتسكب ظلّه على الرصيف جسدًا بلا رأس، وهو يتحسّس طريقه هاربًا من غابة الرؤوس التي تمتد على مساحة شاسعة من الأطفال، والآباء، والأمهات». إنّ أول لحظة من قيامته وأول مكان التقطه بعد أن غشيته الشمس بحرها كان الرّصيف كي يستقرّ عليه، ويثبت، ويعيد توازنه. لكن الرصيف كان مرآة له فهو بلا رأس. من هنا أسس الرصيف مكانه على أنه مكان غير مستقرّ، على خلاف طبعه. والرصيف في اللغة هو الرَصَفَةُ بالتحريك: واحدة الرَصَفِ، وهي حجارةٌ مَرْصوفٌ بعضها إلى بعض، ومنه تراصف القوم في الصف أي قام بعضهم إلى لزق بعض وهو المحكم الرصين، وبذلك نكون أمام ثنائية الكامل «مكان/ الرصيف» والناقص «الشخصية/ مقطوع الرأس»، ثم لا تلبث أن تختفي هذه الثنائية عندما تصب الشخصية الإحساس والصفات على الجزء الثاني من الثنائية فتلغيها؛ فيكون الرصيف مكمّلاً للشخصية، خاصة بعد وصفه بـ«يتحسس» وعادة ما تطلق هذه اللفظة على من يتحسس عضو من أعضاء جسده، لا شيء خارج المنظومة الجسدية.

ثم ينطلق السارد إلى تشخيص المكان، فيكون الرصيف مكانًا للاغتراب والغربة في آن واحد معًا، «يجرُّ خطاه على أرصفة لم يعد يعرفها، تائهًا عنه، يراه متشظيًا في آلاف المرايا، لكنه لم يكن هو، كان مسخًا لا غير، الأرصفة تنكره، والشوارع والأمكنة». لينتقل إلى مكتبته مشتقًا لها وصفًا من مكان الرصيف، ومشخصًّا لها فيقول «كان متأكدًا أنّ كتبه المرصوفة بانتظام لم تعرفه حياته أبدًا، على رفوف المكتبة.. تشعر باليتم الآن أكثر من أطفاله!».

ويصف السارد الرصيف مرة مكانًا معاديًا حينما يجعله شريكًا في جريمة التضاد السريالية العجيبة، «وطن تُشق الشوارع وتكسى فيه؛ كي تغلق بالحواجز الكونكريتية، وترصف الأرصفة وتشجر؛ كي تسير عليها السيارات. وطن يعيش فيه الناس بلا أمل».

ويبقى الرصيف مكانًا ينتشله أحيانًا من أحلامه الجميلة إلى واقعه المرير «وشارع الفاروق يمتدّ أمامنا متاهة، لا أدري كيف سقطت على رصيف الواقع»، فشارع الفاروق الذي رافقنا طيلة الرواية فاعلًا كحدّ الشفرة بين الحلم والحقيقة.

ولا يظهر المكان أو يبين غلا بالوصف الذي يعدّ من أهم أساليب التجسيد المكاني، فهو نظام أو نسق من الرموز والقواعد يستعمل لتمثيل العبارات وتصوير الشخصيات، أي مجموع العلميات التي يقوم بها المؤلف لتأسيس رؤيته الفنية. وهذا الملمح نجده في الرصيف المكان المعادي للشخصية، «ومسمع من الملايين العاطلة التي تنش الذباب، وهي تعدّ بلاطات أرصفة الشوارع في خريف الوطن الموبوء بالزوابع».

وفي النهاية يظهر وجه الرصيف المعادي المخيف صراحة «هكذا علمني الوطن كيف أخاف من كل شيء، الرصيف، الشارع…» فهو أسلوب إنشائي يقدّم لنا المظاهر الحسية للأشياء كما هي في العالم الخارجي، وبصورة تحرص عل نقل «المنظور الخارجي» نقلاً دقيقًا. وقد أشار بلزاك إلى أهمية الوصف في النص الروائي إذ «يميل الإنسان، حسب سُنّة ما تزال غامضة، إلى تمثيل عاداته وأفكاره وحياته في كلّ ما يخص به حاجاته» «ميشيل بورتو، بحوث في الرواية الجديدة». ثم يتطور الوصف على يد فلوبير ويصبح فنًّا دقيقًا مكتفيًا بذاته. وتظهر عدائية المكان/ الرصيف من خلال وصفه في الرواية «وأنا الذي كنت إذا رأيت أحدهم على هذا الرصيف، بملابسهم الهندية هربت إلى الرصيف الآخر» مع أن الرصيف الآخر أيضًا سيسلمه إلى ثالث، وهكذا يبقى في دوامة التيه على الأرصفة المعادية. فوظيفة الوصف في هذه الرواية فيما يخص العينة المدروسة «الرصيف» كانت تفسيرية من خلال ربط المكان بالشخصية، فتحول الرصيف من الاستقرار والثبات إلى التيه وفقدان التوازن كان بفعل الشخصية المقطوعة الرأس، كذلك تحوله من المكان المألوف إلى المكان المعادي، كان بفعل الربط بين الشخصيات السلبية العدائية التي سارت عليه. حتى البيت الذي قامت عليه الرواية فنجد أن فكرة الرواية قامت على التقاط صورة لمنزل الجار الجميل، ثم يتحول هذا المكان/ المنزل إلى مكان معادٍ بسبب تغير قاطنيه من الشخصيات.

وهذا النوع من المكان «الرصيف» ليس ملكًا لأحد معين، فهو مكان عام ملك للسلطة، تحول إلى مكان معادٍ بفعل تغير السلطة الذي هو ملك لها.

وهذا «الرصيف» له دور البطولة والمكانة الرئيسة في العمل الروائي، فابن الأثير الشخصية المشاركة في البطولة كانت مدفونة ومستقرّة في جوف رصيف، ولم يكن داخل مرقد كما كان باقي الأنبياء، والعلماء، والأولياء الذين ورد ذكرهم في الرواية، بهذا شحن للرصيف بالعلامات والمعطيات الثقافية، إضافة إلى شخصيات كان الرصيف لها مستقرًا، كأبي تمام، وعثمان الموصلي، وفتاة الربيع.

من خلال ما سبق نجد أنّ الرواية قامت على مكان رئيسي واحد، هو الرصيف الذي كان مستقرًا، فكانت المدينة وما حوته من سكان، وحياة، وثقافة، وقيم مستقرّة، فلمّا لفظ الرصيف ابن الاثير تغيّرت الأحوال، وتبدّلت الأوضاع، وساءت الحياة، وتبدّلت القيم، وحل التيه بدلًا من الاستقرار والثبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1. رواية فارابا ، عبد المنعم الأمير
2. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي.
3. العلامة والرواية – دراسة سيميائية في ثلاثية ارض السواد- لعبدالرحمن منيف ، د. فيصل غازي
4. الفضاء الروائي عند جبرا ابراهيم جبرا ، د. ابراهيم جنداري .
عرض التعليقات
تحميل المزيد