هذه حفرة قد وقع فيها كثير من البشر، من الرؤساء والمشاهير، نزولًا إلى الأطفال في سن الرابعة. شهوة سرقة أفكار غيرهم ونسبتها إلى نفسك، هي أمر تصعب مقاومته لدى كثيرين، خاصة مع إمكانية عدم اكتشاف الأمر، أو هكذا كانت الأمور في عصر ما قبل الثورة التقنية والانفتاح المعلوماتي غير المسبوق. هل تذكرون المرة الأولى التي سمعتم فيها قصة من أحدهم، والتمعت أعينكم من فرط الإثارة وأنتم تتخيلون أنفسكم في موضع بطلها؟ ثم ها أنتم تحكونها لآخرين على أنكم أبطالها، هل تذكرون؟ تلك يا أعزائي كانت سرقتكم الأولى لأفكار الغير.

هل تذكر منشور فيسبوك الذي حاز إعجاب الكثيرين، والذي نشرته بدورك على صفحتك الخاصة بدون أدنى إشارة إلى كاتبه/ كاتبته؟ مرحبًا بك في عالم الاقتباس المشين.

على الرغم من أن كثيرين قد اقتبسوا أفكار الآخرين، بقصد أو بدون قصد، أملًا في الحصول على شارات إعجاب أكثر على فيسبوك أو غيره، أو رغبة في الحصول على درجة علمية ما، يظل مدى أخلاقية الاقتباس من عدمها موضوعًا مثيرًا للجدل حتى يومنا هذا. المثير في الأمر هو أن الاقتباس أو ما يطلق عليه بالإنجليزية Plagiarism لا يعتبر جريمة قانونية إلا في حال رفع الشخص المتضرر دعوى تعدٍ على حقوق الملكية الفكرية، إلى أنه قد يكون كارثيًّا في حالات كثيرة، وهذه بعض الأمثلة:

السرقة الأدبية في الأوساط الأكاديمية

في سبتمبر من عام 2006، قامت مدرسة Lakewood Ranch الثانوية بفلوريدا بمنح درجة صفر لـ16 طالبًا وطالبة عن تقرير في الفترة الصيفية بسبب واقعة اقتباس كبيرة من أحد مواقع الإنترنت. في البداية وما أثار شكوك القائمين على تقييم التقارير هو تشابهها إلى حد التطابق، الأمر الذي دفعهم إلى فحصها بعناية، واكتشاف قيام الطلبة بنسخ مقاطع كاملة من إحدى الأوراق العلمية بدون ذكر المصادر أو الإشارة إليها. أثارت الواقعة حنق الكثير من أولياء الأمور لدرجة قيام بعضهم برفع قضايا على المدرسة، وصرح أحدهم بأن الواقعة سوف تكون «وصمة تلازم ابنتي طوال حياتها». في حين رأى بعضهم أن ما حدث هو مجرد خطأ «بسيط» وقع فيه مجموعة من الأطفال، قررت المدرسة أن المبادئ الأكاديمية لا تتجزأ، وفي النهاية انتصرت المدرسة واعتمدت النتائج كما هي.

واقعة أخرى أكثر شهرة، هي ما حدث في إحدى الجامعات الأكثر اعتبارية على مستوى العالم. ففي عام 2012، فيما يعرف بفضيحة الغش بجامعة هارفارد 2012، التي تورط فيها أكثر من 125 طالبًا في واقعة غش جماعي، قامت الجامعة بالتحقيق علنًا مدة ثمانية أشهر متواصلة وانتهت إلى إحالة الطلبة المتورطين لما يُعرف بـ«الاستقالة الجبرية» لمدة عام، يقوم فيها الطالب بالالتحاق بإحدى الوظائف، ومن ثم يكون له حق الانتظام في الدراسة مرة أخرى. وبينما قد تبدو العقوبة قاسية للبعض، فإن الجامعات ذات التصنيفات الأكاديمية المرتفعة تكون أكثر صرامة في التعامل مع وقائع الغش أو الاقتباس، نظرًا إلى فداحة التأثير الذي يحدثه الاقتباس أو سرقة مجهودات الآخرين في البحث العلمي بشكل عام من ناحية، وحفاظًا على أصالة الأفكار وجودتها من ناحية أخرى.

وعلى صعيد الشرق الأوسط، تحكي الأديبة الكبيرة الراحلة رضوى عاشور عن المأساة التي شهدتها بصفتها أستاذًا للأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس. تقول: «أصبحت سرقة الأفكار ظاهرة متصاعدة، كنا نكتشف بعضها خلال السنوات الماضية، والآن أصبحنا نصطدم بعدة حالات كل عام». وتضيف عاشور: «المثير للحزن أن معظم تلك الحالات يرتكبها بعض أعضاء التدريس في كثير من الجامعات المصرية»، لذلك ترى أن يُقصى الأكاديمي ويُمنع من ممارسة عمله مرة أخرى؛ لأنه في تلك الحالة يتعدى على شرطين أساسيين لممارسة مهنته: الأمانة والثقة.

ولذلك تبقى معظم الجامعات في عالمنا العربي السعيد خارج التصنيفات السنوية لأفضل 500 جامعة، فبخلاف الإسهام المحدود في البحث العلمي العالمي، يرى كاتب المقال أنه في حال القيام بعملية فحص كبرى للكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه القابعة على أرفف تلك الجامعات، سوف نكتشف الكثير من حالات السرقة الفكرية التي تصل إلى حد النسخ الكامل لأوراق علمية ومقالات قام بها باحثون آخرون.

وعلى صعيد السياسة

شهد عام 2016 عدة حالات تصل إلى درجة الفضيحة قام بها سياسيون يحتلون مناصب في غاية الأهمية والحساسية، منها ما قام به الرئيس النيجيري محمدو بخاري في خطابه الذي وجهه إلى الشعب النيجيري مدشّنًا حملته ضد الفساد. ليتضح أن مقطعًا كاملًا من خطابه نسخ حرفيًّا من خطاب سابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما. لكن يظل ما قامت به السيدة الأولى الحالية للولايات المتحدة الأمريكية ميلانيا ترامب هو الأكثر شهرة وانتشارًا في العامين السابقين. ففيما يبدو أن خطابات آل أوباما جيدة الإعداد والتأثير لدرجة دفعت البعض إلى نسخها أو اقتطاع أجزاء منها، قامت ترامب بنسخ فقرات كاملة من خطاب سابق لميشيل أوباما واستخدمتها أثناء خطابها في إحدى الحملات الانتخابية لزوجها. وبعد اكتشاف الأمر خلال عدة ساعات في عصرنا الرقمي، قامت المسؤولة عن إعداد خطاب ميلانيا بالاعتذار وتقديم استقالتها، التي رفضتها ميلانيا لاحقًا بدون حتى تقديم اعتذار لائق عما حدث. وإذ إن للسياسة حسابات أخرى، ينجح كثير من السياسيين في الإفلات من وقائع مشابهة، ربما لقدرتهم على المراوغة وتقديم التبريرات، كما حدث مع بخاري وترامب، أو لكون مجهوداتهم على الصعيد السياسي تكفي لكي يغض الجميع الطرف عن سلوك يراه كاتب المقال يتناقض مع ما تقتضيه أخلاقيات العمل العام، أهمها الأمانة والوضوح.

تُرى ما الذي يدفع بعضهم، ومنهم أشخاص موسومون بالذكاء، للسرقة الأدبية؟ يرى جوناثان بايلي، محرر صفحة Plagiarism Today ومؤسسها أن بعض الأشخاص ممن قد يتسمون بالذكاء، يلجؤون إلى السرقة الأدبية بهدف وضع أفكارهم جيدًا على الورق. فعلى سبيل المثال، هنالك بعض الباحثين المرموقين علميًا من حيث النتائج والأفكار، يعجزون عن صياغة أفكارهم الجيدة صياغة أدبية جيدة، فمعنى أن الشخص ذكي لا يعني بالضرورة أن يكون كاتبًا موهوبًا. بالإضافة إلى أن الأشخاص الأذكياء، يحملون على عاتقهم رغبة جامحة في تحقيق الاكتمال، الأمر الذي قد يضغط تدريجيًّا على قدرتهم على تحقيق المهام المتزايدة يوميًّا، ومن ثم قد يلجؤون إلى السرقة الأدبية لتعويض عجزهم عن الكتابة بشكل لائق خلال الجدول اليومي المزدحم بعشرات المهام. كل هذا بالطبع لا ينفي أن أسوأ ما قد يدفع المرء إلى سرقة أفكار غيره هو تسامحه أخلاقيًّا معها باعتبارها شيئًا يمكن التغاضي عنه.

ربما يرى بعضهم في عد السرقة الأدبية جريمة شيئًا من المبالغة، لكن لك أن تقرر مدى فداحة الأمر حين يسرق أحدهم أفكارك -ولنقل اختراعًا ما أو قصة أو موضوعًا- وتقديمها على أنها أفكاره، ويحوز إعجاب الآخرين أو يحصد الجوائز عنها، وقل لي ساعتها بماذا تشعر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد