مُنْذُ بِدَايَةِ فَجْرِ الْأَلْفِيَّةِ الثَّالِثَةِ وَقَدْ بَدَأَ هَذَا الطَّاعُونِ بِالِانْتِشَارِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى أَمْسَى رُكْنًا حَضَارِيًّا ظَاهِرًا مِنْ مُجْتَمَعِنَا الْمِصْرِيِّ وَقَدْ يَتَّخِذُهُ الْبَعْضُ مَصْدَرًا لِكَسْبِ الْمَالِ الْوَفِيرِ وَجَمْعِ الثَّرَوَاتِ الطَّائِلَةِ. فَمَا هُوَ طَاعُونُ الْعُقُولِ؟

اَلْأَفْلَامُ التِّجَارِيَّةُ وهي عِبَارَة عَنْ أَفْلَامٍ لَيْسَ لَهَا مَضْمُونٌ أَوْ مُحْتَوًى – لَيْسَ بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ عَلَيْهِ – تَفْتَقِرُ إِلَى أَرْكَانِ الْعَمَلِ الْفَنِّيِّ الْمُحْتَرَمِ، إِنَّمَا هِيَ مُجَرَّد قِصَّةٍ رَدِيئَةٍ غَيْرِ مُتَرَابِطَة الْأَحْدَاثِ يَتَخَلَّلُهَا الْكَثِيرُ مِنْ الْأَغَانِي الصَّاخِبَةِ الَّتِي تُخَدِّرُ الْعَقْلَ بِإِيقَاعِهَا الْمُزْعِجِ، وَشَخْص بَلْطَجِيّ يَتَجَلَّى دَوْرُهُ فِي كَوْنِهِ بَطَلًا لِلْفِيلْمِ وَرَاقِصَة.

كَثُرَتْ الْأَفْلَامُ الَّتِي عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ، وَانْتَشَرَتْ مِثْلَ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ فِي مُجْتَمَعِنَا الْمِصْرِيِّ خِلَالَ الْأَرْبَعَةِ العُقُود الْمَاضِيَةِ، هَذِهِ الْأَفْلَام الَّتِي سَقَطَتْ فَنِّيًّا وَنَجَحَتْ عَلَى الْمُسْتَوَى الْجَمَاهِيرِيِّ؛ حَيْثُ إنَّهَا تُحَقِّقُ الْمَلَايِينَ مِنْ إِيرَادَاتِ شُبَّاكِ التَّذَاكِرِ الْخَاصِّ بِهَا، رَغْمَ أَنَّ جَمِيعَ النُّقَّادِ يَرَوْنَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ سَاقِطَة فَنِّيًّا مِنْ نَاحِيَةِ وَأَنَّهَا تُسَبِّبُ خَلَلًا فِي الثَّقَافَةِ الْعَامَّةِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ نَجِدُ فِيلْمًا آخَرَ قَدْ يَمْدَحُهُ النُّقَّادُ وَيَعْجَبُونَ بِهِ وَبِأَدَاءِ طَاقِمِهِ، وَلَكِنْ نَجِدُ أَنَّ هَذَا الْفِيلْمَ قَدْ فَشِلَ جَمَاهِيرِيًّا وَأَنَّ مَرْدُودَهُ الْمَادِّيَّ ضَعِيفٌ حَتَّى إنْهَ يُمْكِنُ أَلَّا يَجْمَعَ ثَمَنَ تَكْلِفَتِهِ.

كَمَا أَنَّ الْأَفْلَامَ التِّجَارِيَّةَ تَسْتَقْطِبُ الْمُنْتِجِينَ وَالْمُوَزِّعِينَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ رَدَاءَتِهَا عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْأَفْلَامِ ذَاتِ الطَّابَعِ الْفَنِّيِّ الْجَيِّدِ وَالَّتِي نَادِرًا مَا تَلَقَّى مُوَزَّعًا أَوْ مُنْتَجًا.

وَبِالرَّغْمِ مِنْ مُحَاوَلَاتِ بَعْضِ الْكِتَابِ وَالْمُخْرِجِينَ مِمَّنْ يَعْمَلُونَ فِي مَجَالِ صِنَاعَةِ السِّينِمَا أَنْ يَرْتَقُوا بِالْمُسْتَوَى الْفَنِّيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ لِلْأَعْمَالِ الْفَنِّيَّةِ، إِلَّا أنَّهُمْ يَجِدُون أَنْفُسَهُمْ مُحَاصَرينَ بِهَذَا الْكَمِّ مِنْ الرَّدَاءَةِ الْفَنِّيَّةِ.

تَقُولُ مَاجِدَةُ مُورِيسَ، النَّاقِدَة وَالْكَاتِبَةُ السِّينِمَائِيَّةُ، إنَّ الِانْهِيَارَ فِي الذَّوْقِ الْعَامِّ لِلْمُجْتَمَعِ وَالثَّقَافَةِ أَثَرٌ عَلَى الشَّخْصِيَّةِ الْفَنِّيَّةِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ تَتَجَسَّدُ فِيهَا عُيُوبٌ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْمَلُونَ فِي مَجَالِ صِنَاعَةِ السِّينِمَا دَائِمًا مَا يَسْتَمِرُّونَ فِي تَصْوِيرِ الْفَقْرِ بِقَبَاحَةٍ، وَدَائِمًا مَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي طَرِيقَة وَأُسْلُوبِ الْكَلَامِ وَالْحِوَارِ وَالْفِكْرِ، فَالْفَقْرُ لَا يعْني الْبَلْطَجَةَ دَائِمًا أَو السَّرِقَة أَو عَدَم الْأَخْلَاقِ.

فَقَدْ قَدَّمَتْ السِّينِمَا الْمِصْرِيَّةُ أَدْوَارًا مِثْل الْفُتُوَّةِ وَالْحَرَامِيِّ وَالنِّصَابِ، وَلَكِن اخْتَلَفَتْ طُرُقُ تَقْدِيمِ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتِ بَيْنَ الْقَرْنِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَهَذَا إِنْ دَلَّ فَيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَمَعَ حَدَثَ بِهِ تَغَيُّرٌ اجْتِمَاعِيٌّ جَذْرِيٌّ قَدْ أَثَّرَ عَلَى مَجْرَى هَذِهِ الْأَدْوَارِ.

وَخِلَالَ الْأَعْوَامِ الَّتِي تَلَتْ ثَوْرَة الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ يَنَايِرَ ازْدَادَتْ الْأَفْلَامُ رَدَاءَةً أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ حَتَّى أَصْبَحَتْ لَا شَيْءَ إِلَّا مَجْمُوعَة مِنْ اللَّقَطَاتِ وَالِاسْكِتْشَاتِ الَّتِي وضعَتْ بِجِوَارِ بَعْضِهَا الْبَعْض لِتَكَوُّن صُورَة مُشَوَّهة لِعَمَلٍ لَا يجرؤ أَحَد أَنْ يَصِفَهُ بِالْفَنِّيِّ حَتَّى لَا يُعْطِيهِ قِيمَةً أَكْثَرَ مِنْ مَاهِيَّتِهِ.

إِنَّ مُعْظَمَ هَذِهِ الْأَفْلَامِ وَالَّتِي تَسَبَّبَتْ فِي فَجْوَةٍ دَاخِلَ حَضَارَتِنَا الشَّرْقِيَّةِ مِنْ قِيَمٍ وَأَخْلَاقٍ قَدْ أَفْسَدَتْ الذَّوْقَ الْعَامَّ وَتَسَبَّبَتْ فِي فُوَّهَةٍ ثَقَافِيَّةٍ بَيْنَ الْأَجْيَالِ الْجَدِيدَةِ وَالْمَاضِيَةِ.

إِنَّ السِّينِمَا وَاحِد مِنْ أَهَمّ الْعَوَامِلِ التَّرْبَوِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ، فَالطِّفْلُ يَتَعَلَّقُ بِمَا يُشَاهِدُهُ مُنْذُ صِغَرِهِ وَيُحَاوِلُ أَنْ يُقَلِّدَهُ، وَكَذَلِكَ الشَّبَاب فِي مَرْحَلَةِ الْمُرَاهَقَةِ يَتَأَثَّرُونَ بِمَا يُشَاهِدُونهُ وَيُؤَثِّرُ فِيهِمْ وَفِي نَفْسِيَّتِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ مَا يُشَاهِدُهُ الْأَطْفَالُ وَالْمُرَاهِقُونَ حَالِيًّا هُوَ مَزِيجٌ مِنْ الْعُري وَالْإِبَاحِيَّةِ وَالْمُخَدِّرَاتِ، فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا عِمَادًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟ كَيْفَ لَنَا أَنْ نَطْلُبَ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَبًا عَظِيمًا وَأُمًّا فَاضِلَةً؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد