عادة ما يكون التخطيط الاستراتيجي من أجل تحقيق أهداف تحقق مكاسب في المجال الذي من أجله يتم التخطيط، ويتبارى خبراء التخطيط في إظهار أهمية التخطيط الاستراتيجي للأفراد والمؤسسات والشركات وحتى الدول، وينبثق عن عملية التخطيط الاستراتيجي رسالة ورؤية ثم أهداف ووسائل حتى يصل المخطط إلى مبتغاه وهدفه، وهنا يكون قد وصل إلى حالة النجاح.

ولكن تبقى كل أمور الدنيا محتملة للإنسان، ويبقى أن الشيء الوحيد المؤكد هو الموت، فإذا كان الإنسان يتفنن في إدارة حياته المحتملة على أعلى مستوى، فلماذا لايخطط للشيء المؤكد بنفس المستوى؟

فهل خططنا للحقيقة الواحدة المؤكدة وهى الموت كما نخطط للحياة المحتملة وغير المؤكدة؟

وهل وضعنا خطة استراتيجية ذات رسالة ورؤية وأهداف ووسائل تصل بنا إلى باب الجنة؟

إنني لا أدعو بالطبع أن يترك الإنسان التخطيط والنجاح للدنيا، بل على العكس أطالب أن يسير الإنسان في حياته وفق رؤية واضحة وأهداف محددة وأن يسعى دائما للنجاح، ولكن مع تخطيط حقيقي أيضًا للآخرة.

الآخرة أولا.. ثم الدنيا

يقول الله تبارك وتعالى (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا)، أي لا بد للإنسان أن تكون له خطتان، للدنيا واحدة وللآخرة الأخرى، وكلتاهما ذات أهمية، رغم أن الآية فاضلت بينهما فقالت عن الآخرة (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة) أي اجعل أصل عنايتك وجلها في إحكام خطة العمل للآخرة، ثم يلى ذلك الخطة الثانية التالية وهي (ولا تنس نصيبك من الدنيا)، وهذا التعبير ( ولا تنس) يستعمل فيما هو في الأهمية في الدرجة الثانية، والآية بذلك تنبه إلى أنه مهما اجتهد الإنسان في تدبير شئون دنياه، فواجب أن يجتهد أيضًا للآخرة بل ويعطيها الاهتمام الأكبر، لأن الآخرة مؤكدة بينما كل ما في الدنيا محتمل، وقد ينهيه الموت في أي لحظة.

فرائض الإسلام وفق خطة

إن المتأمل لفرائض الإسلام يجدها خطة ذات مشاريع.

فالصلاة مشروع يومي محدد خمس مرات، والصوم مشروع سنوي في شهر من السنة، والحج مشروع مرة في العمر، والزكاة مرة سنويًا للغني الذي يمتلك النصاب، وترك الله لك أن تكمل خطة النوافل لتزداد بها قربًا من الله.

والمتأمل لحياة الصحابة يجد أن كلا منهم مع التزامه بخطة الفرائض، إلا أن لكل فرد من الصحابة ما يتميز به وخطط لتوظيفه للآخرة.

فهذا خالد بن الوليد جعل مشروعه الرئيسي في الحياة الجهاد في سبيل الله، فكان القائد الفاتح وسيف الله المسلول، فكان يخطط لهذا العمل في ليله ونهاره، فكان عبقريًا في تخصصه.

وهذا عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، كانت مشاريعهم الرئيسية في التعلم والتعليم، فما مضى أحدهم إلا وقد خلف علمًا كثيرًا وتلامذة نجباء علماء.

وهذا عثمان بن عفان يعلم البشرية كيف يسخر الإنسان ماله من أجل آخرته ودينه.

وهذا رأس كل الصحابة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كانت له مشاريع عديدة، ووضع بذلك خطته للآخرة، فهو المجاهد وهو المنفق ماله في العسرة، وهو الذي يتفقد المرضى، فعن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال فمن تبع منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال فمن أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة. (رواه مسلم)

 من أي أبواب الجنة تخطط للدخول؟

وهكذا عزيزي القارئ، حدد لنفسك مشروعًا للآخرة، وضع له أهدافًا ووسائل ورؤية ورسالة، وتذكر أن أبواب الجنة متنوعة لأصحاب المشاريع المختلفة، فأصحاب مشروع الصلاة يدخلون من باب الصلاة، وأصحاب مشروع الجهاد يدخلون من باب الجهاد، وهناك أصحاب مشروع الصيام يدخلون من باب الريان، وهناك أصحاب مشروع الصدقات يدخلون من باب الصدقة.

فهل حددت مشروعك؟ ومن أي الأبواب تخطط لدخول الجنة؟ هل لك هدف ورسالة ورؤية ووسائل في الدنيا تأخذك إلى باب الجنة؟ فليخطط كل منا لآخرته كما يخطط لدنياه، فالدنيا لا شك ذاهبة والمضمون فقط هو الآخرة، وصدق الله العظيم (بل تؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير وأبقى).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد