في نقاش مع صديق مقرب لي، تمركز الحديث فيه حول التخطيط الشخصي وعن أهمية الرؤى المستقبلية للفرد الناجح أو الذي يطمح للنجاح، اتجه الحديث لناحية، فيها تم عقد مقارنة بين من يعمل في الحياة دون تخطيط وبين من يخطط ويملك رؤية متكاملة للمستقبل، جرى الكلام، وبعد شدٍّ وجذب، اتفقنا أنا وهو –وبكل مثالية– على أن صاحب الرؤية المسقبلية هو الأفضل والأنجح في جميع نواحي الحياة، ثم أتينا بالأدلة والشواهد التي تدعم هذا الاختيار، ثم سكتنا قليلاً، ثم أردف صديقي قائلاً وهو يخرج زفرة: «ألا ترى أن كثيرًا ممن لا يملكون رؤىً وخطط هم ناجحون في حياتهم وعملهم».

صحيح أن كثيرًا من الناس لا يخططون ولكنهم ناجحون، ذلك لأنهم أناس عمليون، يختبرون الواقع، ولا يتأثرون إلا بالوقائع، ولو سألت أحدهم لقال لك: لم أكن أحلم بكل هذا النجاح، ولم أفكر فيه، فإن سأل أحدهم: وما تفسير ذلك؟ أقول: ذلك لأنهم أشخاص واقعيون وقنوعين نوعًا ما، يغضون الطرف قدر المستطاع -بقصد أو بدون- عن رؤية أحلامهم بصورتها الكاملة فضلًا عن الحديث عنها، ويعرفون مدى إمكانياتهم وحدود قدراتهم، ولا يحمّلون أنفسهم فوق طاقتها وهم لا يستغرقون في سؤال: ماذا نريد؟ بل يستغرقون في سؤال: كيف نحقق ما نريد؟ وهم رائعون في تطبيق نظرية «فن الممكن».

وصحيح أن امتلاك الرؤية المستقبلية أحيانًا، قد يعرض الشخص لليأس وبالتالي للفشل، لكن هذا لا يحصل إلا للذين يرون النهايات في أذهانهم فقط ولا يصنعونها، ويستلذون بالخيالات وأحلام اليقظة ولا يرون الطريق، وهم مستغرقون في التأمل في الأمنيات (الأوهام) حتى ينسوا أنفسهم، بل ربما يبلغ بهم الشطط ويتصرفون على أساس ذلك فيطالبون مَنْ حولهم بالتعامل معهم على أساس ما توصلوا إليه في أوهامهم لا في حقيقتهم، لذلك لا أحبذ أن يقول أحدهم: «ليتنا لا نملك رؤى، فنكون أناسًا عمليون، لأن رؤية الصورة الكاملة قد تحبطني، وتجعلني غير متصالح مع واقعي».

قد يحوجنا ما تقدم، أن نخوض ونتحدث في ثنائية (العملي – النظري) أو (التطبيق – والتنظير)، وحينها، سنجد أن هناك صنفين متقابلين من الناس، الصنف الأول: العمليّون و هم واقعيون ويعملون في حدود إمكانياتهم (التطبيق = إجهاد البدن)، والصنف الثاني: النظريون وهم الغارقون في المثاليات ودائمًا يرون الصورة النهائية للأهداف لكن لا يملكون طريقة للوصول إليها (التنظير = إجهاد العقل).

من المجحف أن نفضّل صنفًا على الآخر، لكن لا ننكر أن هناك أناس يتحيزون للعمليين ويمجدون أهل الفعل، ويتغنون بالأقوال مثل: «فعل واحد خير من ألف قول» وغيرها، وفي مقابل هذا التطرف تطرف آخر وهو التحيز لمدرسة التنظير والأفكار والعلم، وأن العلم بالأشياء قبل عملها أفضل.

وسأحاول أن أسحب التطرفين إلى الوسط، فأقول: إن الاسترسال في جانب واحد لا يعطينا نتائج حقيقية وأصيلة سواءً كمًّا أو نوعًا، فالإنسان العملي (المسترسل) سيظل يختبر كل شيء وسيُعيد اختراع العجلة في كل أمر وبالتالي سيكون سيره خبط عشواء وتقدمه بطيئ وإنجازه قليل، وكذلك الإنسان النظري (المسترسل) سيخوض في مسائل كبيرة في عقله، ترهقه ولا تمسّ بواقعه مما يعيقه عن التحرك في مساحات الواقع والفعل، لذلك يظهر لنا أن التكامل بين الجانبين يعطينا ما نريد، ويوصلنا إلى أفضل النتائج، والتكامل هنا لا يعني التساوي بالضرورة، ولكن التوازن حسب الظروف وطبيعة المسألة المعالجة وإعطاء وزن نسبي لكل من التخطيط والعمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد