بهذه الكلمات الثلاث كان أجدادنا يتعلمون القراءة والكتابة في المدارس والمعاهد، وكانت تزرع في نفوس متعلميها اهتمام مصر بالزراعة وأنها المورد الرئيس للدولة، وبطريقة ضمنية تغرس في نفوسهم أهمية الفلاح المصري ودوره في اقتصاديات البلاد.

كان هذا هو لسان التعليم وقتما كانت مصر بلدًا زراعيًا، والمفاجأة أنه في عهد الدولة التي نحياها الآن، ورغم أنها ليست زراعية، إلا أن مفردات التعليم المصري كما هي، والكلمات الثلاث ما زالت تدرس، ولا يزال الأبناء يتعلمونها، مع اختلاف المعنى المراد؛ وذلك لاختلاف الثمار المزروعة، والحصاد المنتظر، والجمع المرجو، مع الأخذ في الاعتبار أن الزارع تحول من فلاح بسيط أميّ إلى قاهري مدرك مثقف.

ومنطقيًا فإن المدرك المثقف يكون ذا تأثير إيجابي على عالمه؛ فهو ينقل علمه لمن حوله، فيشبه النسيم الذي ينقل الرحيق من مكان ضيق إلى الرحب والسعة، إلا أن ما حدث من المدرك المثقف في عام واحد فقط، وما أحدثه من بوار، يثبت بدون شك أن المأثورة الشهيرة «العلم نور»، أحيانًا تكون خاطئة، بل أحيانًا يصبح «الجهل نور»، ويتفوق الفلاح البسيط الأميّ على نظيره القاهري المدرك المثقف.

وبنظرة سريعة غير متعمقة ولا تحليلية على ما زرعه صديقنا المثقف، منذ الثالث من يوليو من العام الثالث عشر بعد الألفية الثانية وحتى يومنا الآني، نجد أن الأيام مضت في أجواء من التخبط الفكري والعصبي والذهني، لم نجن منها سوى الفرقة والخراب والدماء، أو بمعنى أدق مزيد من الفرقة والخراب والدماء، تظاهرات وقمع، اعتصامات واعتقالات، مزيد من التمزيق في جسد وطن ممزق بالفعل، وكلنا يصر على التشبث بأطرافه لمزيد من التمزق والبتر، حتى تحول وتحولنا إلى أشلاء مشتتة، ما زلنا عند مواقعنا، لم نبرح على أصنامنا عاكفين، فصنم معزول وصنم مخلوع وصنم متسيّد، صنم للخامس والعشرين وصنم للثلاثين، صنم للتحرير وصنم لرابعة، وكلنا نسعى لتكفير مريدي الأصنام، ولا نرى تقديسنا لأصنامنا.

سنوات من زرع الكراهية والعداوة والبغضاء. لا تحسبن الصورة قاتمة، بل هي أكثر قتامة من ذلك، حتى لا يكاد فيها مُميِّز بين الخيط الأبيض والخيط الأسود من الفجر، فليس فيها فجر، وليس لها من دون الله كاشفة.

لقد زرعنا وها نحن نحصد، نحصد أجيالًا تعلمت الفقد قبل أن تتعلم الإيجاد، تعلمت الفراق قبل اللقاء، تعلمت الموت قبل أن تحيا، قتلنا بداخلهم البراءة ولم نقتل الخوف، قتلنا شعورهم وأحيينا شراستهم، قتلنا فيهم الأمن وألقينا بهم من أحضاننا وننتظر أن يحتضنونا عند الكبر.

ماذا زرعنا؟ وماذا ننتظر عند حصاده؟ وما الذي سنجمعه؟ سنجمع جيلًا غاضبًا شرسًا، ماتت براءته قبل أن يتعلمها، قُتل بداخله الخوف من السجن والسجّان، ذاق الموت وعاش الحزن، فأحيينا به ماردًا لن نجد له قمقمًا يسعه، سنجمع طوفانًا يأتي على الأخضر واليابس، لن يترك أحدًا منا، جمعٌ عاد من الموت فلن تضيف له الحياة شيئًا، علمناهم الزهد قبل التمتع، هدهدتهم الطلقات واحتضنتهم الأرصفة، لم يعرفوا من الألوان سوى اللون الأحمر: الأحمر دمًا، الأحمر غيظًا، الأحمر نكدًا، الأحمر غلًا، الأحمر عنفًا، الأحمر ثورة، الأحمر ألسنة لهب من سجيل.

وأما بعد، فلنذهب نحن وآباؤنا إلى حيث أراد الله لنا، ولكن أين سيذهب أبناؤنا؟ أين سيجدون وطنًا يحتضنهم؟ أين علماؤهم وحلماؤهم؟ أين قدوتهم وقادتهم؟

لن أتعجب حين أسمع من يعوّل على أنهم جيل «زرع شيطاني»، فهم فعلًا زرع شيطاني، ولكن الياء هنا تعود على المتكلم بها: شيطاني أنا وأنت وهو وهي وهما وهم وهن، شياطين كل الضمائر التي أصبحت ضمائرَ للغائب، شياطين أفعالنا التي لا ذنب لهم فيها سوى أنهم هم من سيقطف ثمارها، كل منا زرع وحصد وجمع، ويا ويل ما جمع، يا ويل ما جمع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زرع, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد