مصطفى بن خلاف
مصطفى بن خلافمصطفى بن خلاف

ها هو حديث رمضان والصوم وأفضالهما الذي يكاد أحدهم يقول مللناه ومللنا تكراره كل عام، فهو نفسه ما قيل لك ختام شعبان الماضي، وهو نفسه ما سيقال لك ختام شعبان القادم، وليس لك أن تمل؛ أفما علمت أن الزهرة لا بد لها من السقاية والرعاية كل يوم وإلا ذبلت واصفرت وذهبت بها الريح، ولا يجزئ ماء اليوم عن أكثر منه، فالشمس التي تأتيها بالحياة تجلب عليها الجفاف كذلك فهو متربص بها في كل وقت، ومثلك مثل الزهرة مهدد بالنسيان في كل وقت وإنما كان اسمك الإنسان من نسيانك.

وهذا المقال ليس إلا تذكرة كذلك ولكنها تختلف، هذه تذكرة يرجى منها الدوام فهي تذكرة تربية وبذرة خير تغرسها في قلبك لتنمو وتثمر بإذن الله.

فما كان رمضان شهرًا إلا لأنه يراد منه طول المدة التي تتناسب وما تحتاجه التربية الربانية لتغرس بذرتها وتتعهدها بالرعاية، حتى تصير شجرة اشتد عودها فتمضي في سائر الأيام تتقلب بين البلاء ونظيره والفتنة ومثيلتها، فلا يضرها شيء بقدر ما ينفعها ويزيدها قوة وثباتًا.

وغرس رمضان لا يكون إلا في تربة خصبة تفيض بالخير، أصلحتها نية خالصة صالحة وعزيمة صادقة طيبة تستجلب مسببات الخير وتلتمس من الله العون وتفتح لصاحبها أبواب الخير ومقاصد البر؛ يشق فيها الصيام مستقر البذرة والشجرة، والناس في ذلك متفاوتون فمنهم من كف بطنه وشهوته وأطلق لسانه وجوارحه، فهو ذو حفرة صغيرة لا تمد جذرًا ولا تحفظ نبتًا، ومنهم من كف بطنه وشهوته وجوارحه عن كل ذنب حتى اللمم منه، فهذا حفرته طيبة قد نقبها بإرادة عازمة وسمو على حاجة النفس وانصياع وانقياد لله وتقوى وحسن صلة برب العباد، وأفضل منه من زاد في إمساكه أن أمسك قلبه عن الهمم الدنيئة، وكل ما يبعد عن الله وما سواه فهذا يصيب الحظ الأكبر من التقوى تهذب نفسه ووجدانه وهو بها دائم الصلة بالله يراقبه في حديث نفسه وعمل قلبه، ويصير له من العزم على الطاعة والغلبة على النفس وشهواتها حظ عظيم ولاحتمال مشقة الطريق إلى الله صبر شديد، وتلك غاية الصيام في تربية النفس.

والبذرة الصالحة الطيبة هي قلب سليم وصدر قويم لم يصلحهما سوى تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه واستخلاص مقومات الحياة القويمة منه وإنزال معانيه المعجزة منازلها في القلب، لتمنحك مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة فتثبت قواعد الإيمان في قلبك وتشهدك عدل الله وفضله وتعرفك ذاته وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه وطريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم وتطلعك على معالم الخير والشر ومآل أهلهما وتبصرك مراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة وتعرفك النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصلحاتها وتبصرك بحدود الحلال والحرام وتوقفك عليها؛ وتنهض معانيه بك إلى ربك بالوعد الجميل، وتحذرك بوعيده من العذاب الشديد، وتحثك على الإعداد لليوم الثقيل، وتحملك على الاستزادة من النعم بالشكر الدائم الموصول، وتهديك في ظُلَم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل وتثبت قلبك عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل. وتسهل عليك الصعاب والعقبات وتبعثك كلما فتر عزمك، وخفت همتك وتحدو وتسير بك إلى الحق دومًا.

ولا ينمو نبت ويشتد عوده إلا بسقاية دائمة ورعاية مستمرة وذاك في قيام يسمو بالروح لتقف بين يدي الله وتتلقى فيضه ونوره، وتأنس بالوحدة معه والخلوة إليه في سكون الكون وترتل القرآن وكأنما هو يتنزل عليك وتستقبل إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي البهيم وتجمع الزاد لاحتمال القول الثقيل والعبء الكبير والجهد المرير في الطريق الشاق الطويل الذي ينتظرك في دار الاختبار؛ قيام يعقد صلة القلب بالله لتسكب في القلب أنسًا وراحة وشفافية ونورًا وتضمن له العون الدائم والمدد المستمر من قيوم السماوات فيعصمه من وسوسة الشيطان ومن التيه في ظلمات الانحراف، فالله الذي خلق هذا القلب أعلم بحاله وأقدر على شفائه إن سقم وتسكينه إن اضطرب.

إذا بنية تصلح تربة وصيام يشق حفرة وقرآن يصلح بذرة وقيام يسقيها ويرعاها يطيب غرس رمضان ويشتد عوده وتثمر تربيته في القلب، وهو المراد من تلك النفحة العظيمة التي اختصنا الله بها، فالحسنة التي لا تجلب معها تربية سرعان ما تمحوها السيئة والعتق من النيران لم يكن أبدًا صك غفران، ولكن منزلة يصلها القلب حينما يبلغ أوج إقباله على الله وعز إدباره عن الذنوب وهو ما تبلغه بالتماس التربية من تلك العبادات، فالغاية من العبادات كما يري سيد قطب هي: «إنشاء حالة شعورية تحكم سلوك المتعبد، وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره، وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة» ولا أجمل وأفضل وأكثر خيرًا من أن يمتد فضل رمضان طوال العام بتلك التربية القويمة فما بعد رمضان كفطام الطفل عن لبن أمه ليغذى بما هو أدوم بعد أن صار قادرًا على اكتناز فضل الطعام واتقاء شره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • في ظلال القرآن

  • مدارج السالكين

تعليقات الفيسبوك