لم تمض أيام قليلة على الصور التي انتشرت للسيدة والدة الشهيد إيهاب الوزني أمام سيارات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة حتى تفاجأ الجميع يوم أمس بزيارة رئيسة بعثة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت إلى منزل والدة الشهيد إيهاب الوزني في كربلاء، والتي قوبلت بردود فعل شعبية خصوصًا بعد الحديث الذي دار بينها وبين شقيق الشهيد إيهاب الوزني، والذي اتهمها بالتواطؤ مع المليشيات، وقال لها بصراحة إنها تلقت أموالًا من الحكومة والمليشيات للتغطية على الجرائم التي ترتكب تجاه المتظاهرين والناشطين.

الحكومة العراقية رغم اعترافها بالعجز التام وعدم القدرة على التصدي للمليشيات، ساهمت بشكل أو بآخر في قتل الناشطين من خلال التعتيم الإعلامي، وتسييس القضاء العراقي الذي أطلق سراح المتهم الأول باغتيال الناشطين إيهاب الوزني، وفاهم الطائي، رغم وجود أدلة صريحة ودامغه على تورط القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح.

تلك الزيارة ومن خلال الحديث الذي دار بين بلاسخارت وعائلة الشهيد الوزني عكست بشكل أو بآخر محاولة بلاسخارت إلى تحويل الموضوع إلى قضية جنائية بعيدًا عن المشهد السياسي المعقد في العراق، وهذا ما تريده الحكومة، وتسعى إليه، لتخفيف الضغط الدولي عنها كونها تتعرض لانتقادات كثيرة بسبب حقوق الإنسان المنتهكة في العراق، وقضية المغيبين التي بدأت تأخذ حيزًا واسعًا من اهتمام وسائل الإعلام المحلية والدولية.

بعثة يونامي أظهرت أكثر من مرة من خلال تقاريرها غير الصريحة تجاه ما يجري في العراق أنها تحاول إخفاء الحقيقة باستخدام عبارة (جهات مجهولة) في تقاريرها، رغم وضوح الصورة للكثيرين في الداخل والخارج، في إشارة إلى القمع الدموي، واغتيال الناشطين، اللذين حصلا منذ بداية ثورة تشرين وحتى الآن، وهذا ما جعل العراقيين يدلون بدلوهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وعبروا عن استهجانهم أكثر من مرة للدور الذي تقوم به بعثة الأمم في العراق بشكل عام، وبلاسخارت بشكل خاص.

مجلس الأمن الدولي من خلال بعثته الأممية يرى أن الطريق الوحيد للتغيير في العراق من الممكن أن يكون من خلال صناديق الاقتراح، وهذا ما صرح به الكثير من الزعماء والسفراء من خلال إعلانهم دعم الحكومة العراقية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

لكن على ما يبدو أن الصورة الضبابية التي تنقلها بلاسخارت لهم في مجلس الأمن حصرت في مشكلات الأمن، واغتيال الناشطين، والسلاح المنفلت، بمنظور ضيق جدًا، دون أن توضح حقيقة أن هذه الأحزاب الحاكمة هي التي تقتل الناس، وتقوض سلطة الدولة، وتزيد من قوة مليشياتها على حساب القوات النظامية، وتجلى ذلك بشكل واضح بعد اقتحام المليشيات للمنظقة الخضراء وسط بغداد بعد اعتقال القيادي في مليشيا الحشد قاسم مصلح في السادس والعشرين من مايو (أيار) الماضي.

الجميع في العراق يعلم من القاتل، ولماذا يقتل، ومن يحميه، الكل يعلم ما عدا بعثة الأمم المتحدة، فالسيدة بلاسخارت منشغله بأمور أخرى تراها أكثر أهمية من خلال جولاتها المكوكية لقادة الأحزاب والمليشيات، وأحيانًا تقوم بدور الوساطة بين الإدارة الأمريكية وهذه المليشيات، كما حصل في السابق عندما لعبت دور الوسيط من أجل الوصول لهدنه ما قبل الانتخابات الأمريكية، والتي انتهت بعد إعلان النتائج وفوز بايدن.

الجميع في العراق فقد الثقة في بعثة الأمم المتحدة، وأصبح على يقين أن هذه البعثة أصبحت الحارس الدولي للعملية السياسية، بدلًا عن أن تكون المراقب العام للوضع في العراق، وناقلة الصورة الحقيقية للعالم عما يجري على الأرض في بلد توغلت فيه الأحزاب في قمع الشعب، وسرقة خيراته، وتدمير بناه التحتية، ونخرت في أركان الدولة حتى انهارت، وأصبحت دولة بلا قانون، ولا سلطة، ولم يبق فيها سوى سلطة الكاتم والسلاح المنفلت.

إن ما يجري في العراق هو استمرار لثورة شعب يرفض أن يستمر تحت نير الظلم، والقهر، والجوع، في بلد يعتبر أغنى من كثير من دول العالم. وآن الأوان للمجتمع الدولي أن يتحرك للتصدي لهذه الانتهاكات، وتقديم الجناة للعدالة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد