في هذا الحُكم العضوض وانتشار الحدود وبقية ثمود، يأتي تعريف الأشياء من مخزون ثقافة الدول، وكلما زاد عدد الدول زاد تنافسها على الحريات، فالأكثر حرية يظفر برضا العالم أكثر، وكثرة الدويلات والإمساك بتلابيب لعبة الحريات أنتج شمولية وأرستقراطية، وعندما يدرك الناس أن الدولة -البلاط الحاكم- تدبر شؤونها لحساب نُخبة وليس لحساب أمة، يصبح الفرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن، وينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة. يعبَّر عن المصالح الخاصة بالحريات، واستهلاك الحريات يحطّ من النقد ويصبح الناقد يتسول باحثًا عن وظيفة أخرى، تعرّى المجتمع أمام مغريات «حرية الرأي». والحقيقة أن الحرية لا تهبط إلى مستوى الشعوب؛ بل على الشعوب أن تهبط لمفهوم الحرية، وهذا ما لا تريده جهةٌ ما تقطن في مكانٍ ما.

ونتاجًا لاستهلاك الحرية، استكثر المجتمع لنفسه الملهيات تحت مسمى الثقافة، وهذه الشريحة تبلغ ذروتها ويعلو صوتها لا لقوتها، إنما لهشاشة الرادع والقانون لا لغيابه، وقد تزدهر الأوطان على يد هؤلاء فتنةً وإمهالًا، يتغيّر على يدها ما تبقى من ثوابت دينية، وتُفتعل قوانين جديدة ينتكس بها ما تبقى من فطرة، وأصبحت درجة حضارة الشعوب منوطةً بالتقدم الآلاتي والنووي والإلكتروني وحرية التعبير والفرد، ورأيي رأي دوستوفسكي حينما قال درجة الحضارة في المجتمع يمكن أن تحكم عليها بمراقبة سجناء هذا المجتمع.

الثقافة أكبر دليل على وجود الحرية، وسؤال هل عدم التثقف حرية؟ الجواب لا، لأن الثقافة تحرر من العبودية، وإصلاحات للنمط الواحد واللون الواحد، واستثناءً لغير المتحررين، فالآن نفسر الحُر: حر قاده شغفه إلى المعرفة والثقافة، وحر يضع الثقافة على رأس أعماله للعام الجديد لكنه آيل للفشل بسبب خوفه من الثقافة، أو عدم قدرته لأسبابٍ ما. وهو يميل أكثر ليكون حرًّا ضعيفًا. أما من قاده شغفه للثقافة فعليه أن يحرص على الثقافة المفيدة -دنيا وآخرة- والثقافة المفيدة تضفي لقراءة ومتابعة مفيدة، من خلالها يتصالح المثقف مع ذاته، ويناهض التعميم والنمط، أما من يخشى الثقافة فهو كالإبل المائة لا تكاد تجد فيهم راحلة، والخائف من الثقافة هو خائف من الإبداع، يقول ياسر حارب في كتاب «بيكاسو وستاربكس»: الخائفون من الإبداع يشبهون الشيوعيين الأوائل الذين ألغوا الفردية واستبدلوها بالاشتراكية، إن الاشتراكية حولت الفرد إلى عبد، عندما يذوب الفرد في المجتمع فإنه يذيب معه كل فرصة للإبداع والتميز، ويصبح الجميع قطيعًا واحدًا يحرثون الأرض كل يوم ليزداد الفقراء فقرًا، والأغنياء غِنىً.

ولنبرز محور الموضوع علينا أن نبرز تعريف الثقافة البلاستيكية، ولأن تعريف الثقافة هو تعريف فضفاض نوعًا ما، فإن تعريف الثقافة البلاستيكية مناهض تمامًا لتعريف الثقافة -الثقافة الأصلية-، إن أصحاب الثقافة البلاستيكية مثل الشجرة أو الوردة البلاستيكية لا طعم لها ولا رائحة، فقط منظر خلاب، المثقف البلاستيكي يقرأ دونما تحسن لغوي أو تحسس فكري، يقرأ القرآن ويحفظه دونما تدبر وتوظيف، قيل ليس المهم أن يكون في جيبك قرآن بقدر أن تكون في أخلاقك آية، المثقف البلاستيكي يقرأ دونما تحديد مصير وكسب وعي، يقرأ ويشاهد دونما إعلان ونشر، وفي هذا اختراع مقيت للعزلة، قد تأتي هذه الثقافة بأهداف محقة يراد فيها باطل. كيف نتخلص من الثقافة البلاستيكية؟ تقويض الحرية وفق ما نحتاج فقط، توظيف ما نقرأ بفقه الواقع والنقد الساخر المؤدب، والبدء في إنشاء مناظرات. فالفكرة ليست في استهوائنا للثقافة إنما بتوظيفنا إياها.

المثقف البلاستيكي هو الشخص الصغير المقصود في الحكمة التالية: إن الأشخاص العظام يناقشون الأفكار، والأشخاص العاديون يناقشون الأشياء، أما الأشخاص الصغار فهم يناقشون الأشخاص. عودوا إلى صفحات الأزل وصنّفوا أهل الثقافتين، سوف تجدون أن الثقافة البلاستيكية تدعو إلى النمطية والابتذال وتحكيم الهوى في الرخاء والانفعال، شعارها أن يقوم المرء بما يريد فعله لا بما يجب عليه فعله، بربكم من كان سبب سقوط عمر المختار غير أهل الثقافة البلاستيكية من شيوخ قبائل -القبيلة السنونية- ورجال دين هادنوا الطليان؟ إن عموم الناس يتساوون مع أهل الثقافة البلاستيكية، وللربط بينهما نقول إن عموم الناس والحيوانات أحرار.

لقد تم غرز الفحوة الغنائية وإلصاقها بمعيار التقدم الثقافي الأممي، فالمغنية شمه حمدان تطرح قضيتها المهمة جدًّا جدًّا حول هل حبيبها رومانسي أم لا في أغنيتها حبيبي مو رومانسي، هذه «الإمبريالية» ما هي إلا مهد القطيعة الروحية الفجة بين المرء ونفسه، خطر هذه الثقافة أنها أرضية مشتركة المصدر، أعني بالمصدر هو الإرث والأب الروحي، فالشيوعية لها مصادرها والإسلاميون لهم مصادرهم، أما الثقافة الكاذبة فهي مبنية على الجهل العام، هي كما قلت لصديقي مرةً أنها كحصانة قانونية لجندي أمريكي أثناء حرب العراق، وأهم من ذلك كيف سيعيش الناس وسط بلدٍ يدّعي الثقافة؟ سينشغل الناس كالعبيد، لكنها ستكون سعيدة لأبعد حد، سيكون الناس على وعي تام بأن كل مشاركتهم بالثقافة البلاستيكية هو لفائدتها وفائدة جنسها، ستستمتع الناس بالاحتفالات بشكل هستيري، فقد وجدت رغم كل ما يحدث، أن ذلك يذكرها بأنها صاحبة السيادة على نفسها بالفعل، وأن هذا الإفراط الذي تقوم به كالذي يصب في مصلحتها بالذات، إن هذه الاحتفالات تمكنها من النسيان بأن بطونها خاوية، ولو لبعض الوقت، لكن الأمل جميل والتفاؤل مطلوب، وآمل أن نصبح أحرارًا و حرائرَ بعدما كنا عبيدًا وإماءً، فالإستراتيجية أيها الرفاق، الإستراتيجية.

الثقافة البلاستيكية هي ضمور لكلمة الشورى، هلوسة تصيب الفضيلة بمقتل، إنها ذخيرة ضئيلة من الصلوات أمام الأخذ بالأسباب في مواجهة أمواج عاتية، رغم ذلك لا يمكن أن تظل هذه الثقافة مرهونة محكومةً بالرداءة، يجب أن تنتهز فرصة أكثريتها للتغيير والتصحيح، كيف؟ لا أدري لكن بتوعية أكثر واقعية وإن كانت دموية، وإن كانت المرحلة ثانوية لكن لا حراك ولا نجاح إلا بالتغيير والتهذيب. الوعظ في هذه المرحلة لا يكفي، أراهن أن الوعظ والوعاظ أكثر من كان في عنقه سبب انجراف الكثيرين لبراثن الثقافة السيئة. يقول إيميل سيوران في كتاب «المياه كلها بألوان الغرق»: إن الكتاب الذي يقوض كل شيء ثم لا يقوض نفسه بعد ذلك، هو كتاب أغاظنا دون جدوى. فالفكر البلاستيكي هو فكر متصدع، ووحده الفكر المتصدع يطل على جهنم.

على النقيض لولا توظيف الثقافة الصحيحة بعقيدتها ومصدرها لما نهَل الإسلام على سجستان وعند سيحون وجيحون وإلى ملتان وقصدار ودلهي، ولما وصل الإسلام بأخلاق التجار إلى إندونيسيا، ولولا استغلال يربوع الثقافة لما تقدم الإنسان ولما فكّر المهندس في زيادة الإنتاج مع تقليل التكلفة، أما من يبحث عن الحرية المطلقة؟ فهي غير موجودة على الأرض، لا أدري إن كانت في كتب تشي جيفارا أو في كواكب الزهرة والمريخ؟ لكنها رسالة يائسة، لماذا؟ لأنها حُلم وردي لا وجود له، إن كانت الحرية مطلقة فمن ماذا تتحرر؟ فوجوب الحرية يتوجب نقيضها وإلا ما صارت حرية، لا يمكن أن نجعل الأفراد أصحاب الثقافة المغشوشة يشاركون في بناء نظام سلطة، فالباب الذي سيشارك في بنائه الغبي هذا، سيأتي منه رئيس وزراء أغبى، نصفق له في معركة بقيادته، يُقتل بها أناس لا نعرفهم، وأطفال لم نحضهم يومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد