قبل الشروع في المقال نفسه؛ لأنني أعلم أن من بين الذين سيعارضون المقال من الذين يظنون أن مقصدي بالسمين هو كلمة الثمين؛ أي الذي له قيمة معنوية أو مادية، ولكن مقصدي هنا الغث والسمين، وما يجمعهما من نبأ معن بن عطية المذحجي وأخيه روق، وحينما أختم المقالات جمعيًا سيكون ما يتضح خلالها، قول معن حينما اختار أخيه ليعتقه من بين قومه جمعيًا بقوله «غثك خيرٌ من سمين غيرك».

في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين

كان اليهود يهاجرون دفعات متتالية إلى فلسطين، وبتسهيلات ألمانية سمحت السلطات العثمانية بهبوط الآلاف منهم على موانئ فلسطين، ودخول العديد منهم بحماية سفارة ألمانيا إلى القدس، ونشأت أول المستوطنات في عهد بني عثمان أنفسهم، مثلما ذكرت من قبل في ثلاثية ألمانيا في مقالها الثاني «ألمانيا والشرق.. صداقة القيصر والصهاينة« أن المانيا كانت تساند بشدة وجود اليهود وتجمعهم في أرض فلسطين.

كانت نتيجة تكاثر اليهود عند بداية العقد الثالث من القرن العشرين، أن ترك الكثيرون منهم بيوته ورحل إلى مدن أخرى لضيق احواله المعيشية، ذلك بالطبع كان من أسباب الثورات التي أُقيمت في تلك الفترة، وهي تظاهرات طلب الاستقلال عن الانتداب البريطاني، والتي أيضًا تطالب بإيقاف أعداد اليهود التي بدأت تتزايد وتشكل نسبًا مئوية لم يكن وجودها في المجتمع الفلسطيني متخيلًا في ذلك الوقت.

وتستمر مأساة الفلسطيني مع وجود أزمته المعهودة من زمن العثمانيين، وهي أزمة الضرائب، والتي وضعت كل الوظائف في حالة فقر شديد ورعب من يوم الدفع الذي لن يقوى أحدهم على الدفع فيه، ويصبح بيع بيته وأرضه أسهل بكثير من أن يُلقى في السجن مقابل أنه لم يستطع في لحظة ما أن يتولى أمر ديونه.

إن خروج الشعب الفلسطيني من حياة البؤس التركي التي عاشوها نتيجة لطموح عبد الحميد الثاني في إعادة أراضيها التي نهبتها بريطانيا، من جمع ضرائب، وضغط على البلاد العربية؛ لتأمين غذاء الإمبراطورية العثمانية وجيشها، الذي دفع ألمانيا إلى خسارة الحرب الأولى، كان سببًا لبناء أساس إسرائيل، وتأصيل حقها في فلسطين، ذاك الحق الحديث المبني على وجود مستوطنات تعود لقرن كامل، أولها تلك التي سكنها هرتزل نفسه.

نداء الحسيني والحرب الثانية

لما بلغ الجنرال إدموند اللنبي غير مجتمع فلسطين بناءً على إقامة نظام متوافق بين ثلاث طوائف، أولها اليهود الذين ودعوا ألمانيا مع سقوط قيصرها، وأقدموا على تأييد بريطانيا العظمى بعد وعد بلفور، والفلسطينيون أصحاب الأرض الذين لم يدهسهم بطش بني عثمان وفقر أيامهم، هؤلاء القائمون حتى اليوم في أراضيهم، والإنجليز أنفسهم كوجود، وما يمثل هذا النظام بصورة واضحة شهادات الميلاد التي كانت تُكتب باللغات الثلاث، العبرية التي كانت أحد ركائز كتاب المسألة اليهودية لهرتزل، إذ ظن أن إعادة إحياء تلك اللغة التي باتت تتلاشى مع شتات اليهود في العالم، هي مفتاح تجمعهم وعمود ارتكاز بناء دولتهم، اللغة العربية اعترافًا بلغة الفلسطينيين فقط لتصنع حياد متقن ذي جودة، الإنجليزية نظرًا إلى أن فلسطين كانت منتدبة من بريطانيا.

في تلك الفترة كانت فلسطين ممثلة باثنين فقط، من يمثل المستوطنات من اليهود والمفتي ممثلًا عن شعب فلسطين جماعة كاملة، حينما وصل إدموند ولى أمين الحسيني منصب المفتي، ذاك الذي ستعده بريطانيا في زمن آخر والدول العظمى، خائنًا وتنفيه إلى مصر بعد سقوط نظام رايخ ألمانيا العظمى، وقد توفي فيها عام 1977.

في تلك الفترة بالتحديد كانت القضية الفلسطينية قد دخلت طور السياسة، من أحداث الثورات التي استمرت لسنوات، وحركات الفدائيين الذين قاموا بالهجوم على بعض المستوطنات، ردًّا على خطوة اليهود في تشكيلهم عصابات الهجانة، الذين كانوا يهاجمون المزارعين في رام الله وغيرها من المدن، التي عُرفت بالزراعة في ذلك الوقت، وإجبار الكثير منهم على بيع أرضه أو الهروب منها للنجاة.

لم يكن النظام الإنجليزي يأخذ خطوة واحدة ضد تفكير الصهاينة في طرد الفلسطينيين والعرب من أرضهم، ذلك بأنهم كانوا يحاصرون منازل الفلسطينيين، وينفون زعماءهم والعديد من المواطنين ذوي المكانة والتأثير على المجتمع، ومن ثم يسندون كل هذا من تخوفه أن يتم مذبحة ضد اليهود والشعب السامي.

في تلك السنوات رحل الكثير من الفلسطينيين عن أراضيهم، ونشأت المزيد من المستوطنات، أما القدس التي رحل عنها بعض أهلها إلى خارج البلاد تمامًا، بيعت منازلها بسعر رخيص لبعض اليهود الذين وصلوا لميناء حيفا خوفًا من نظام هتلر، الذي كان قد بدأ عام 1933 في عقاب اليهود عقابهم المأساوي.

ما بين هزيمة 15 مايو 1948 وهزيمة 6 أكتوبر 1973

يعود فضل تشكيل الجيش الإسرائيلي إلى السيد عبد الرحمن عزام صاحب حملة إلقاء إسرائيل في البحر، لم يكن الاحتلال الإسرائيلي احتلالًا حتى ندائه بالحرب، ولا يمكنني إنكار حقيقة أن الحرب الحل الوحيد لقضية فلسطين، ولكن هذا القرار لم يكن منطقيًّا على الإطلاق، من دول لم يكن لها من يمثلها، وقادة جيوشها من الإنجليز والألمان وبقية الأتراك، وشعوب تعاني سنوات امتصاص دمائها من تُرك وفرنسيين وإنجليز.

ويزداد فضل تفوق الجيش الإسرائيلي على جوارها العربي؛ نتيجة لخطوة عبد الناصر بإغلاق مضيق تيران وصنافير -السعوديتين بالطبع لأجل رضا النظام المصري الحديث علينا جميعًا– والذي كان أمانة في يديه، بينما يقضي بنو سعود في مملكتهم مصلحة ما، في تلك اللحظة التي سقط فيها عبد الناصر وأسطورة العرب المنتصرين للأبد؛ إذ إن النكسة علمتنا ألا ندخل حربًا نعرف كيف نخسرها أكثر من معرفتنا كيف نفوز بها.

وحينما استطاع السادات أن يصنع انتصارًا بالعبور، وكان الجيش الإسرائيلي يتدافع في الخسارة، تفاجأ بأن العنترية المصرية استطاعت هزيمته فجأة في ميدان معركة كان هو الجيش السائد فيها، وصُنعت الثغرة بسبب اندفاعهم غير المبرر وخروجهم خارج نتاج الخطة الموضوعة، ومدى غطاء الطيران للجيش الذي كان على الأرض، حتى وصل الجيش الإسرائيلي أنه كان على مقربة من القاهرة بــ70 كيلومترًا.

كل تلك الأحداث في بدايتها أمر الجيش العربي أن يرحل بعض الفلسطينيين من أراضيهم حتى تنتهي الحرب –بثقة منهم بالطبع– وعودتهم، وفقدت فلسطين في ثلاث حروب فاشلة عربية ترتكز على الغرور وعدم توفر الإمكانات التي تحقق الطموحات، ووعود الخُطب البرلمانية والخُطب المذكورة على منابر الأعياد ومنابر دُور العبادة، بينما في الجهة الأخرى تنشأ إسرائيل من عائلات تسكن بيوتًا هجرها أصحابها في المخيمات، وفلسطين تخسر أبناءها في الشتات.

بعد 1973 وحتى يومنا الحالي

لم يجد أي نظام عربي بديلًا من التعايش مع إسرائيل، كانت قد أصبحت دولة من لا شيء، جهود عربية ساذجة في حروب فاشلة صنعت جيشها، هجرة بعض الأهالي وتهجير العديد من أهلها، ووعد أكثرهم بالعودة، صنع من المهاجرين شعبًا يستحق تلك المنازل المهجورة والمستوطنات، واستنادًا إلى ألمانيا التي تدفع ضريبة هتلر وأمريكا التي لا تنسى الحليفة، أصبح لها اقتصاد.

بعد كامب ديفيد انشغلت الدول العربية بعضها ببعض أكثر من القضية نفسها، بين الذين لا يرون عيبًا في أن السادات قد اتخذ تلك الخطوة، وهم أنفسهم الذين تركوا القضية منذ زمن بعيد، وبين الذين قطعوا العلاقات نهائيًّا مع مصر بسبب استسلامها وإقامة السلام، وعدم إلقاء اسرائيل في البحر.

وما يمكن استنتاجه من تلك الحقبة ما بين المعاهدة حتى عام 1989 يوم دخول صدام حسين الكويت، كان العرب جمعًا لديهم شيء من العمى، لم يروا أن إسرائيل التي صنعها تعتنهم وغباؤهم السياسي والإداري أصبحت أثقل من أن يحملها 44 كفًّا، وأصبح المحيط عاجزًا عن ابتلاعها.

من الذي انتصر؟

إسرائيل حتى اليوم لم تنتصر في الحرب، لأن الذي انتصر حتى اليوم الذي لم يؤمن بأن العرب قادرون على هزيمة نظام الصهاينة، الذين استقروا في الأرض بالرغم من كل شيء، الباقون في بيوتهم منذ 1917 حتى اللحظة الحالية، من يشكلون الضغط الدولي على إسرائيل حينما تحاصرهم وهم قوم عُزل، والذين استغلهم رجب طيب أردوغان من أجل قطع العلاقات عدة مرات حينما أرسل أسطول السلام، الذين لم يتركوا بيوتهم ليسكنها مهاجر يهودي، ولم يسمح ببناء مستوطنة.

بعض الذين عاشوا في الأراضي المحتلة من البداية، هؤلاء الذين يشكلون بعض مواطني إسرائيل، ويعرفون باسم عرب 48، لم يحصلوا على مواطنة كاملة حتى اليوم، يعدون سمًّا في جسد بناء هذه الدولة، ويشوهون صورتها بوصفها دولة مظلومة، ويوضحونها دولة ظالمة وعنصرية أكثر مما كان يفكر هتلر ذاته، بينما كان هتلر يحتقر فئة واحدة، هم الفئة التي احتقرها هتلر يحتقرون كل العالم، هكذا يوضح عرب 48 بمعاناتهم باعتبارهم مواطنين لدولة لا تعطيهم الرعاية الكاملة لكونهم عربًا.

إن الذين انتصروا باختصار شديد الذين لا يؤمنون بأنظمتكم الواهنة، هم من يحملون راية لم تهتز منذ البداية، وهي الراية الوحيدة التي لا تعطي إسرائيل انتصارها المنتظر منذ قرن، إن سمين ما في فلسطين أهلها الباقون هناك، وأهلها الذين يحاولون العودة، وهو المقال القادم «السمين في فلسطين: لم الشمل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد