الوعي الروحي

قديمًا قال فيلسوف الحكمة: «لا يحيى إنسانًا من لا يعرف باطنه».

إنَّ أولى مراتب الوعي وآخرها، وأكثرها تبسيطًا، وأشدّها تعقيدًا، فهم حقيقة الذَّات الإنسانية، وفهم حقيقة الإشراق الروحي، وإدراك الوعي الروحي؛ لأنَّه الوعي المرتبط بالكينونة، والإدراك المتعلق بالمعرفة الكونيَّة.

إنَّني هنا لا أتناول الوعي بمفهومه ومجاله الفلسفي، ولا النَّفسي، ولا المعرفي… إلخ، ما أريد ذكره في هذا المقام هو مفهوم الوعي الروحي، ومفهوم الإشراق الروحي، جوهر الحقيقة الإنسانيَّة، وعمق الذات الإنسانيةَّ في عصر المادِّيات المقنَّعة، والانغماس الهستري في عمق الأنا (الذات المزيفة).

نظريًا المسألة كمفهومٍ سهلةٌ جدًا، ولكن على أرض واقع تطبيقها في مسرح الحياة صعبةٌ جدًا، وليست بالهيِّنة إطلاقًا؛ إذ أنَّ هذا الوعي والإدراك يتواجد في حركة زمنيَّة دائمة الدوران مع دوام وجودنا على سطح هذا العالم المادي وباستمرارية العيش به.

هذا الوعي الروحيُّ الذي يسمو فوق ضجيج الحياة ومشاغلها ويعلو فوق الجوهر المادِّي والسلطوي لطبيعة حياتنا وعيٌ يرقى فوق إيجو العرق، والجنس، والجنسيَّة، والمركز الاجتماعي… إلخ، وعي يصل إلى حقيقة من أنا؟

حقيقة من أنا؟!ما هو جوهري؟ ما هو كنهي؟ ما هو لبُّ ذاتي؟ هل أنا اسمي؟ هل أنا ما أمتلكه من المال؟ أم ما اكتسبته من صفاتٍ في الشخصية ومؤهلاتٍ علميةٍ من أنا؟!

لقد أدركت حقيقةً واحدةً في هذه الفترة من حياتي وهي:

(إنَّ جوهر طبيعة العلاقات في هذا العالم تقوم على مساحة صمت تتوسطها فاصلة اللاتعلق) فما سوى ذلك من العلاقات بأنواعها: شخصيةً كانت، أو ماديةً، أو غير ذلك أيًا كانت هذه التعلاقات بأشخاصٍ، أو أماكن، أو أشياء، يحكمها الفناء، فلا وجود للبقاء في أيِّ شيءٍ مطلقًا -فيما يتعلق بالمخلوقات- سوى حقيقة إدراك الذات الروحية حقيقة أنا الروح.

لقد أحببت سابقًا أليس كذلك؟ لقد تعلقت بشيءٍ سابقًا أليس ذلك؟ لقد تألمت من علاقةً ما عائليةً كانت أو وظيفيةً أليس كذلك؟ لو تأملنا جليًا في ذلك لوجدنا أنَّ كل شيءٍ نحبه يتمُّ فقده، يتم كسُّره، حتى لو لم ينكسر بشكل تام نجده يتصدَّع ويتضعضع.

البعض لا يماهي بين جوهره وبين دوره فيغرق بالدور بشكلٍ تام، وبنهاية هذا الدور يصاب بالاكتئاب والقلق… إلخ، إلى حدٍّ قد يصل به إلى اضطرابات نفسية تبلغ به حد الانحدار إلى الانتحار.

هو لا يماهي جوهره وبين دوره، لا يماهي بين دوره كزوج أو مدير لشركة ما أو طبيب وبين جوهره، فإنْ فقد ذاك المُتَعَلق به فقد ذاته، واستحالت حياته إلى جحيمٍ، لو فقد وظيفته فقد كيانه واحترامه لذاته، واستحالت أنفاسه إلى خناق يطبق على صدره، المفر منه هو الموت ولكن ما إن تَـمُت هذه الأنا الوهميَّة وتغيب حتى تستفيق الأنا الحقيقيَّة.

بالنهاية إذن من أنا؟ إن لم أكن اسمي، ولا أفكاري، ولا ردود أفعالي، ولا وظيفتي، ولا دوري في هذه الحياة، فمن أنا؟! إنَّ جميع ذلك هو مظاهرٌ للذات، هذا محل اتفاق عند جميع المفكرين والفلاسفة، ومحورٌ أساسيٌ في جميع الأديان، جميع هذه الأمور هي تقديرٌ إلهيٌّ وتصادف إلهيٌّ حصل على هذا النحو وكان يمكن ألا يكون على هذا الصورة.

منطلق الوعي الروحي يقرِّر حقيقة وهي: «أنني أنا روح…»

أنا نفخةٌ ربَّانيَّةٌ، أنا كائنٌ قلبي وفكري وعقلي معلقٌ بالله، فقد هذا النحو أرقى ما يمكن أن يرقى إليه بشرٌ، أنْ تكون عارفًا بالله أي: أن تكون أستاذًا في معرفة النفس في معرفة باطنك وجوهرك.

من المشهور في التراث الصوفي الإسلامي «من عرف نفسه عرف ربه» فقد عرف ربه من هذا المنطلق.

إنَّ أعمق معرفة أن تعرف ذاتك، ومعرفة الذات -الأنا الحقيقيَّة- التي هي هبة الله الهبة الحقيقيَّة التي أبدعها الله وخلقها وأوجدها، حينئذ عندها سترتفع أيُّها الإنسان فوق مستوى مشاغل الحياة، وفوق همومها وضغوطها، وأوهامها لتكون شعاع نورٍ ينبعث منه صفات الروح من السلام، والحب، والتسامح، وستجد من آثار ذلك مفهوم السعادة والطمأنينة، والهناء والرغد، وعندها ستحيى إنسانًا بجناحي ملاك.

تعلمت من أحد المعلمين اسمه يوغاش قال لي عبارة كان يرددها كثيرًا: «أنا لا أملك أي شيء وبالتالي فلن أخسر أي شيء». أي: أنا لست اسمي ولا منصبي ولا دوري ولا علاقاتي أنا لا أملكها وبالتالي لن أخسر شيئًا أنا روح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات