نظرية المعرفة لدى أفلاطون

«العقل، أنبل وأكمل وأبدع حاسة يمتلكها الإنسان».

هذه كلمات الفيلسوف الفرنسي مونتسيكو صاحب نظرية فصل السلطات (تنفيذية، تشريعية، قضائية).

وهنا يتفق مونتسيكو بشكل مجازي مع الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، بحيث لو تعمقنا من ناحية فلسفية أكبر سنجد أن أفلاطون لم ينظر إلى الفكر كحاسة من الحواس المادية بعكس مونتسيكو. بل بحسب أفلاطون فأن العالم الحسّي عالمًا تعدديًا فاسدًا، قابلًا للعبث فيه، وليس قطعيًا راسخًا.

بحيث أن كل ما هو محسوس في الطبيعة قابل للتحول وخاضع للنقد والتغيير والخراب. أي أن الحواس ليست مصدرًا موثوقًا للمعرفة. هذا ما يناقض تمامًا مفهوم الفلسفة السفسطائية التي ظهرت في اليونان أواخر القرن الخامس ق.م. كان السفسطائيون يمثلون الفئة المثقفة في المجتمع التي كانت رؤيتها تعتمد في معظمها على التهميش من الدور العقلي وتؤمن بأن لا طريق إلى المعرفة يمكن للفرد بلوغه إلا بالحواس والتجربة الذاتية، وكان السفسطائيون يتلقون أجرًا من التعليم، بعكس «الفلاسفة» أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وآخرين كُثُر الذين حاربوا السفسطائيين في الكثير من محاوراتهم وكتبهم، لأن هدفهم الأوحد كان بلوغ الحقيقة فقط، دون وضع اعتبارات مادية؛ لأنه لا يمكن أن تنتج المعرفة إلا عن الفضيلة، فدورهم الفاضل كان متمثلًا بالإصلاح والنهضة.

نظرية المعرفة لدى أفلاطون

بإمكانك أن ترفع عينيك إلى السماء وترى وجهًا مرسومًا بعناية (بعينين وأنف وفم) عندما تنظر متمعّنًا إلى القمر، أما جارك، فمن المرجح أنه لن يرى سوى كرة مضيئة تغشوها بعض الظلال (التي رأيتها أنت سابقًا وجهًا).

وبإمكانك أيضًا أن ترى الأجسام البعيدة صغيرة الحجم، كالشمس مثلًا، ولكنها في الواقع ليست كذلك.

أو أن ترى ما حولك يبدو ضبابيًا، لأن لديك مشكلة في النظر!

فبهذه الأمثلة البسيطة نستطيع أن نقرّب نظرة أفلاطون للحواس، فهو لم يكن يثق بها، نظرًا لاختلاف الإدراك والشعور بتلك الحواس الجسدية من شخص لآخر.

بعكس نظرته لعالم الأفكار، العالم الأزليّ والثابت. فالعقل والروح في الفكر الأفلاطوني كيانٌ واحد، ومن خلاله يسمو الفرد إلى المعرفة الحقيقية.

أسباب بروز الفلسفة الأفلاطونية

لنعود قليلًا ما بين (٤٢٧-٣٤٧) قبل الميلاد. لنتحدث عن أسباب بروز الفلسفة الأفلاطونية التي لم تكن لتظهر لولا ترعرع أفلاطون على يد أستاذه سقراط الذي كان فيلسوفًا مثيرًا للجدل آنذاك، نظرًا لكثرة تساؤلاته عن الحقيقة و الصواب. من المؤكد أن سقراط وضع حجر الأساس لعالم الفلسفة الذي نناقشه حاليًا في مقالنا هذا، لكنه مع الأسف لم يترك لنا أي شيء مكتوب ورائه، بعكس أفلاطون الذي نُسب إليه نحو الأربعين كتابًا. فقد بات من الصعب علينا فهم أفكار سقراط ومعتقداته إلى أين قادته وهل نقلها إلى طلابه؟ وهل التشابه في فكر الأستاذ والطالب بات أكيدًا؟ لكننا بالتأكيد نعرف يقينًا أن سقراط كان مهتمًا بشكل كبير بالبحث والتحرّي والسؤال الدائم، فقد كان يمشي في الأسواق ويلعب دور الجاهل ليسأل عامة الشعب عن فكرة طرأت في رأسه. حتى نظر البعض إليه على أنه ليس فيلسوفًا، بل مجنونًا وفاسدًا. ومن كان يريد إذلال نفسه بالسخرية فليتحدث لسقراط!

ومن ثم اتُهم باستحداث آلهة جديدة وإفساد المجتمع، فحُكم عليه بالإعدام عن طريق تجرّع السّم بحضور تلاميذه. إحدى صور إعدامه جسّدها الفنان الفرنسي «جاك لوي ديفيد» في لوحته الشهيرة «موت سقراط» وبجانبه يجلس أفلاطون التلميذ الذي تشرّب الكثير من فلسفة أستاذه والذي تكونت لديه نظرة فريدة بالمنظور الفكري و العقلي البحت، مُطبّقًا تعريف الفلسفة الذي ابتدأه أستاذه وهو: «البحث عن بلوغ الحقيقة».

فالحقيقة الأفلاطونية كانت باعتقاده بأن على الإنسان أن يتحرر من الجسد الحسّي الزائل وغير الموثوق ليكرّس نفسه إلى الروح الخالدة التي مقرها العقل.

المثير للجدل أن أفلاطون يعتقد أن الروح موجودة قبل الجسد، لذا السؤال هنا، مَن يسبق مَن؟ الدجاجة أم فِكرة الدجاجة؟ هذا السؤال المعقّد طرحه جوستاين غاردر في كتابه عالم صوفي، والذي استعنت به كثيرًا لأصل لهذه الخلاصة. لنجد حسب الفكر الأفلاطوني أن فكرة الدجاجة سبقت الدجاجة، فالدجاجة كانت بيضة، والبيضة ممّا تكوّنت؟ بحسب أفلاطون… من فكرة!

الفناء والخلود عند أفلاطون

يشدد الفكر الأفلاطوني على غياب مفهوم الفناء، فهو يؤمن بفناء الجسد المادي ولكن الروح (التي باعتقاده مقرها العقل) تبقى لتسكن جسدًا آخرًا.

لأقتبس عن فيلسوفنا التالي: «إن العقل الذي يسمو إلى معرفة الحقائق الأبدية لا يفنى حيث يتداعى الجسد».

الفكر الأفلاطوني لا محدود. ومقالنا هذا أشيه بقطرةٍ واحدةٍ من غيث كثير. وللتعمق أكثر بالتفاصيل يجب على القارئ قراءة العديد من محاورات أفلاطون الفلسفية حتى يتسنّى له الفهم أكثر فأكثر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد