غداة إعلان الولايات المتحدة الأمريكية الاعتراف بمدينة القدس عاصمة لـ«دولة إسرائيل» سارعت الدول المنضوية تحت هيكل المؤتمر الإسلامي، ويا له من هيكل فارغ بلا شحم ولا عظم ولا عضل، ولكنه هيكل راقص تحركه حبال غير مرئية ترقصه يمنة ويسرة يضحك به الضاحكون ويبكي على فراغه مَن عقد على حركاته أملًا أو ظن أن يرمي نبلًا.

اجتمع السبعُ والخمسون، تتقدمهم السعودية وتركيا وليس السبعُ فيهم ولا منهم في شيء. وطبل إعلام هؤلاء وزمجر هؤلاء، وظلت شاشاتهم مركزة على الحدث تنقله وتتناقله، تحاليل هنا وأحاديث هناك، وصول جلالته هنا واستقبال من فخامته هناك.

ورغم أن الإنسان العربي قد تعلم على امتداد قرن من الزمن أن العمل العربي أو الإسلامي المشترك لا يعدو كونه آلة جعجعة، تأكل حبًا كثيرًا ولا تصدر لا طحينًا ولا سميدًا إلا أن هذا المواطن قد ظن – ولو لوهلة من زمن – أن هؤلاء القادة الذين يتلبسون ثوب العظمة والذين يتغنون بـ«الحفاظ على مصالح الأمة العربية»، ظن أنهم سيوفرون على أنفسهم عناء إحراج آخر أمام العالم وأمام شعوبهم. لكن هيهات، اجتمع الجمع وقرؤوا بيان إدانة وانصرفوا مظفرين، وتمت المسرحية بنجاح وبلغ التطبيل الآفاق.

سبع وخمسون دولة (حاشا السبع) تنتمي لمنظمة المؤتمر الإسلامي تحوي فيما تحوي دولة كتركيا تبلغ بإنتاجها المحلي الخام المرتبة السابعة عشرة في العالم وعضو في الناتو أو السعودية في المرتبة العشرين، منظمة تحوي دولًا فاعلة اقتصاديًا من جنوب شرق آسيا كماليزيا وإندونيسيا وبروناي. منظمة تحوي دولًا مجتمعة تشكل اقتصاديًا قوة ضاربة أما كان يمكن لها أن تخرج بقرار اقتصادي واحد تعاقب به هذه الدولة المارقة على الأخلاق والسياسة والعرف الدبلوماسي؟ أليس قرار واحد كمنع مثلًا استيراد/ تصدير منتج أمريكي ما، ألن يكون ضارًا بالاقتصاد الأمريكي كله؟

هنا قد يرد قائل: ليس أيها المتهورون هذا بحل فالسياسة لا تكون بالمقاطعة كما أن شعوبنا لا تتحمل ضغط عدم بيع بعض منتجاتها نحن شعوب فقيرة.

وحمدًا لله أن هذا القائل تذكر أن شعوبنا فقيرة، فهو لا يذكر هذه الصفة حين يتحدث عن إنجازات جلالته أو مشيدات فخامته ولكن ما علينا، لنترك يا أخي خيار الاقتصاد جانبًا فهو أمر يحتاج إلى تخطيط وتشاور وهو ما لم يكن ممكنًا – ربما – في تلك العجالة التي سارع فيها المؤتمرون.

ألم يكن الجماعة قادرين على أن يخرجوا بقرار تخفيض التمثيل الدبلوماسي مثلًا؟ – حاشا لله أن نقول طرد السفراء الأمريكان فذلك كفيل أن يلقي الارتعادة في أصابع الجماعة – ألم يكونوا قادرين على أن يستدعوا السفراء الأمريكان كل دولة على حدة للاحتجاج والتقريع؟

هل نسي هؤلاء (ولكم ينسى الجبان) أن أمريكا لا يمكن أن تشن الحرب على خمسين دولة كل في آن؟

لكني يا عزيزي القارئ علي أن أعتذر عن وصف الجماعة بالجبن، أو على الأقل ليس الجبن وحده هو الذي منعهم من الوقوف موقفًا جادًا ضد قرار ترامب، بل إنما هو المصالح المتبادلة، بل إن القمة التي انعقدت نفسها كان مخططًا لها كخطوة بعد الاعتراف وذلك بهدف امتصاص الغضب الشعبي وإشغاله بنتائجها ومتابعة أشغالها.

إن المصالح التي تجمع أمريكا بدول معروفة في الشرق الأوسط – وهي دول تتحكم في تسيير المنظمات الرسمية العربية والإسلامية – هي مصالح معروفة ولا داعي لتكرارها.

لكن هل عرف هؤلاء الحكام أن لا مصلحة لشعوبهم أن يشاهدوا مسرحية بائسة عنوانها: تمخض السبع والخمسون فـ…اخجلوا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد