لا يخفى على أحد من الناس أن السجون في معظم البلاد العربية ليست إلا شكلاً من أشكال الموت البطيء و«الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود»، إذ يحدث في حالاتٍ كثيرة أن يموت المعتقل تحت التعذيب – لا سيما في البلاد التي تشهد اضطرابات – ، أو أن يصاب بالاكتئاب وغيره من الأمراض النفسية نتيجة زجِّه في الزنزانة المنفردة، أو أن يتعرَّض لمختلف الأمراض – منها ما يسبب الموت – التي تنتقل عن طريق الهواء أو اللمس حيث تعتبر السجون بيئة خصبة لانتشارها.

فإخراج المعتقل من سجون كهذه يعد من الأعمال العظيمة التي يُثاب عليها الإنسان من الله تعالى وهو القائل عن من ينقذ نفسًا من الهلاك: «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا» إذ فسَّر ابن عاشور «من أحياها» بمن استنقذها من الموت ومن اهتم باستنقاذها والذبِّ (الدفع) عنها.

وقد نجحت وساطة اللاعب عمر السومة نجم الأهلي السعودي في الإفراج عن لاعب نادي الفتوة السوري محمد كنيص بعد أربعة أعوام قضاها في السجون السورية، وتوجّه بعد ذلك في منشور له على موقع الفيسبوك بالشكر للرئيس بشار الأسد وأخيه ماهر، وأيًَّا كان الأمر يا من عارضت ذلك إليك قصة الصحابي ابن حذافة فاقرأها بكل تأمّل وتفكُّر وموضوعية، والتمس لأخيك السومة سبعين عذرًا!

جاء في الأثر أن عمر بن الخطاب وجّه جيشًا إلى الروم كان من ضمنه ابن حذافة فوقع هو وعدد من الصحابة في الأسر، وتعرَّض لمختلف أنواع التعذيب الجسدي والنفسي لكي يرتد عن دينه ولكن دون جدوى، وبعد أن يئس منه طاغية الروم قال له: هل لك أن تقبّل رأسي وأخلي عنك؟

فقال له عبد الله: وعن جميع الأسارى؟ قال: نعم، فقبَّل رأسه.

وقَدِمَ بالأسارى على عمر وأخبره بما حدث فكان من عمر أن قال: حقٌ على كل مسلم أن يقبِّل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبّل رأسه.

ولكن اللعب بالمفردات كان ولا يزال هواية وسائل الإعلام المفضلة، فمن خلال المفردات يُوجَّه الرأي العام ويُتحكَّم بمشاعر الناس وعواطفهم، كأن يقول إعلام النظام السوري: السومة يشكر الرئيس السوري، وأن يقول إعلام المعارضة: السومة يشكر قاتل السوريين، ولا يهدف إعلام الطرفين إلا إلى توجيه ما قام به السومة نحو ما يريد مبتعدًا عن الموضوعية بحيث يعرِض جانبًا ويُخفي جوانب مستخدمًا بذلك سلاح المفردات، ولما كان التخوين وقذف الناس بمختلف التُهم بضاعة الحمقى فقد انهال على السومة وابل من الشتائم عقب تصريحه ذاك، لن تضره شيئًا وإنما ستضر من أطلقها عندما يقف وعُمر بين يدي رب العالمين في يومٍ يجعلُ الولدان شيبا، عندها سيتمنى لو أنه أنصت جيدًا إلى حديث نبينا محمد ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

وسأختم بما قاله الله عزَّ وجلَّ في كتابه الحكيم: «من كفر بالله من بعد إيمانه (إلا من أُكرِه وقلبه مطمئنٌ بالإيمان) ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيم»، وقد فسَّرها ابن عاشور بأن الله رخَّص وعذر من أُكرِه على الكفر بلسانه ولم يتغير اعتقاده بقلبه. وكما ذكرنا فقد عَذَر عمر بن الخطاب بل قبَّل وأطرى على ابن حذافة عقب تقبيله رأس طاغية الروم، فيا أخي العزيز إذا كان الله عذرَ من أُكره على الكفر بلسانه، أفلا تعذر من أُكره على دون ذلك؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد