ورشات المقاولات الباطنية

البحرين في الميزان

لا يعرف عن مملكة البحرين لعبها لأدوار سياسية كبيرة أو مؤثرة كالتي لعبتها جارتها اللدودة قطر مثلًا، مملكة صغيرة تحكمها أقلية طائفية سنية في مملكة ذات غالبية شيعية، عدا موقعها الجيو-سياسي الخطير الذي يفوق كثيرًا دورها بالنسبة للسعودية التي تعتبر البحرين واجهتها الأمامية في مواجهة عنتريات إيران على الضفة المقابلة من الخليج، حيث تعتبر إيران أيضًا أن البحرين قطعة مفقودة منها، بلد كان هادئًا نسبيًا وفيه صحافة جيدة وأحزاب سياسية وانتخابات برلمانية إلى أن جاء الربيع العربي أواخر عام 2010، وصلت نيرانه البحرين، وحدث الاعتصام الشهير في ميدان اللؤلؤة، حيث تدخلت قوات درع الجزيرة التابعة للخليج لتخمد نيران هذه الثورة فورًا؛ لأن تبعاتها خطيرة جدًا على أمن الخليج والسعودية، لسخرية القدر إن إيران اعتبرت أن ما يجري في البحرين ثورة شعب، مظلوم ضد نظام ظالم وهو الأمر الذي حدث بالتزامن في سوريا حيث اعتبرت إيران إن ما يجري مؤامرة على نظام مقاوم، وأن المتظاهرين السوريين عملاء!

 ربطت السعودية نفسها بجسر مائي حيث أن السعودية هي الآمر الناهي في البحرين، بالإضافة إلى استخدامات أخرى لسنا بصدد الحديث عنها، من خلاله دخلت قوات الجزيرة التي أخمدت ثورة الشعب البحريني، لكن بلا شك لا يمكن واقعيًا وموضوعيًا مقارنة حجم القمع والقتل والدمار بما جرى بأماكن أخرى من كل الدول التي اشتعلت فيها ثورة الربيع العربي، لكن كان لهذه الثورة أثر سلبي خطير على تراجع وتدهور الحياة السياسية والبرلمانية والحزبية في البلاد ليومنا هذا.

ورشة المنامة

بات واضحًا أن البحرين ليس هو البلد الذي يمكن أن يلعب مثل هذه الأدوار الكبيرة والخطيرة في قضايا ذات حساسية وخطورة في الوعي الجمعي العربي والإسلامي كالقضية الفلسطينية بكل ما تحمله من مضامين دينية وقومية وسياسية وثقافية، ولا حتى بأي قضية أخرى مهما كانت أهميتها، حيث اتضح أن هذه الورشة ليست أكثر من مقاولة أو مغامرة أو محاولة قامت بها البحرين نيابة عن السعودية ونيابة عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان شخصيًا الرجل الأقوى في السعودية، والذي باتت تخشاه كل دول الخليج.

الأسئلة الصعبة

هناك تساؤلات كبيرة حول ماهية ومنهجية السياسات السعودية في الاعوام الأخيرة تطرح كثيرًا من علامات الاستفهام والتعجب من سياسات وممارسات غير مفهومة، الأمر الذي يحتاج أكثر إلى التعمق في علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي مع قراءة مستفيضة في تاريخ المائة عام الأخيرة في المنطقة منذ التحالف العربي البريطاني ضد الدولة العثمانية، هل يعيد التاريخ نفسه بهذا الوضوح الهزلي؟ هل الغدر طبيعة جينية أم ثقافة مكتسبة أم واقع لا بد عنه؟ هل الظروف أجبرتهم على اللعب على حفة الهاوية؟ هل هي شهوة السلطة والخوف من فقدانها؟ هل هي البراجماتية الزائدة التي يتمتع بها شيوخ العشائر والتي تسمى حكمة؟

الدور الإيراني

على المقلب الآخر هناك تساؤلات حول الدور والسياسات الإيرانية في المنطقة تحديدًا تجاه الخليج إذا ما وضعنا بعين الاعتبار المخاوف الخليجية الجدية من هيمنة إيرانية على الخليج مع تعزيز إيران هذه المخاوف بالتصريحات والعنتريات الخطابية والإعلامية التي تسوقها ضد الخليج وحتى الأصوات العربية المحسوبة على إيران في لبنان والعراق التي لا تتوانى عن مهاجمة وتحقير وتهديد الخليج دولًا وشعوبًا وحكومات، بالرغم من الدعم المالي الخليجي السخي لدولة مثل لبنان، ولا يخلو بطبيعة الحال هذا الخطاب العدائي باتجاه دول الخليج من توجهات طائفية بما بات يعرف من تحالف الأقليات في سوريا ولبنان ضد هذا العالم السني الكبير المحيط بهم، حتى بات شتم دول الخليج وتحقيرها ثقافة ولغوًا طبيعيًا، في أجواء تفاخر فيها أحد النشطاء والمثقفين اللبنانيين على حساب «تويتر» بنشره لصورة له وتفاخره وهو يطلق النار على سنة بيروت في أحداث بيروت (أيار) 2008 عندما استباح حزب الله وحركة أمل العاصمة اللبنانية بيروت بما ترافق مع ممارسات قتل وتعذيب وتعديات طائفية خطيرة في وقتها، تنتهز السعودية مثل هذه التصرفات لإقناع الشعوب العربية أن إيران هي العدو الأول للعالم العربي، وعليه عقدت ورشة المنامة وكل الاتصالات والتطبيع العلني وغير العلني مع إسرائيل.

الحسابات السعودية الإماراتية بين إيران والربيع العربي

 منذ الانقلاب العسكري ضد الرئيس مرسي والذي اتضح وقوف السعودية والإمارات وراءه اتضح أن الأمر لا يستهدف مصر وحدها أو الإخوان المسلمين وحدهم إنما هو حالة خوف من كل هذه الثورات التي حصلت في العالم العربي، والتي هزت نيرانها عروش الخليج من غير أن تصلها، وهنا مكمن الحسابات الإماراتية تحديدًا، ومخاوف أيضًا من أي كيانية ديموقراطية في المنطقة، وهذا ما يفسر سر العداء الإماراتي الشديد لتركيا ونظامها ومحاولة الانقلاب العسكري فيها، سواء لنجاح الدولة التركية أو لتبنيها فكرة التغيير الديموقراطي في العالم العربي، بل اتضح هذا الدور السعودي الإماراتي في ماليزيا عقب الإطاحة برئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرازق، بمعنى آخر حدث تقاطع سعودي إماراتي حول مخاوف مشتركة، لكن تختلف أولوية تلك المخاوف بدرجة واحدة على سلم المخاوف لكليهما، رأت السعودية الخطر في إيران أولًا، فيما رأت الإمارات الخطر بالربيع العربي والديمقراطية أولًا، ومن الواضح أنه تم وضع هذين الخطرين في سلة واحدة، خافت الإمارات كثيرًا عقب رفع 80 شخصية أكاديمية إماراتية منهم شخصيات محسوبة على الإخوان المسلمين عريضة لنظام بلدهم عقب اندلاع ثورة الربيع العربي يطالبونهم فيها بإصلاحات سياسية وانتخابات وما شابه، شعرت الإمارات بخطر بعيد المدى قد يطيح بعرشها إذا ما استمر العالم العربي بهذه الثورات وانتجت حكومات ديموقراطية منتخبة، وهذا ما حدى بالإمارات بخلق حالة الثورات المضادة التي تهدف لإعادة أي بلد نجحت فيه الثورة في الإطاحة بنظام مستبد إلى عهد استبدادي أكثر دموية، وأكثر قتامة، وهذا ما حدث في مصر وحصل مؤخرًا في السودان بعد سيطرة العسكريين على مقاليد الحكم في الخرطوم ومحاولات شبيهة في الجزائر، وخلط الأوراق في البلدان التي لا زالت ثائرة مثل سوريا واليمن، واللتين غرقتا ببحر من الدماء، وتحول المسار من ثورة إلى حرب أهلية، وهذا ما حدث في ليبيا اليوم، ولا زال، لم ينج من هذا العبث سوى التوانسة، كان للسعودية أن تتجاوز هذه المخاوف نظرًا لعلاقاتها التاريخية مع الإخوان المسلمين الذين رأس حربة هذه الثورات تحديدًا في مصر، والتي تدهورت بشكل مفاجئ عقب الانقلاب على مرسي ووصل الأمر حركة حماس في فلسطين.

لكن الملفت في أثناء انعقاد ورشة المنامة دورًا إماراتيًا أكثر دهاءً وخبثًا وحنكة من السعودية التي يظهر في بعض الأحيان مدى التأثير الإماراتي على سياساتها، بالرغم من هذا الحماس السعودي الجارف الذي أبداه صحافيو ومثقفو السعودية للورشة، بدا هناك رأي مختلف لمثقفي الإمارات، منهم مستشار ولي عهد أبوظبي عبد الله عبد الخالق وغيره من الورشة وتأييدهم للحق الفلسطيني، في بلدين لا يكتب فيهما إلا ما يرضي السلطات!

التقاطعات والتناقضات وخلط الأوراق

تخشى السعودية إيران، تخشى الإمارات الربيع العربي، لكن تخشى إسرائيل كل من إيران والربيع العربي، تخشى إيران إسرائيل والسعودية والربيع العربي، حالة التقاطع المشترك بين القوى المذكورة في نقطة وتقاطعها في نقاط أخرى، خلط كل أوراق المنطقة حكومات وشعوب وأحزاب وطوائف، وحدث شرخ وتفكك كبير في كل المعسكرات، منها مثلًا حالة الوئام والتناغم التي كانت سائدة قبل عام 2010 بين حزب الله والإخوان المسلمين قبل أن تفترق المواقف عقب الثورة السورية، والذين عملوا مؤتمرات عديدة في بيروت وغيرها تحت مسمى علماء الامة لمناقشة قضايا الأمة حيث أعلن نصر الله في إحداها إعلانه الشهير حول خطف ضابط موساد إسرائيلي.

 رغم أن للولايات المتحدة رأي آخر فيما يخص إيران، فبعكس رؤية الدول الثلاث، رغم تحالفها القوي مع إسرائيل لا ترى الولايات المتحدة ضرورة لشن حرب على إيران وانهيار نظامها، وبدل ذلك تشتغل على سياسة قد تكون ليست أقل فتكًا من الحرب وهي سياسة الخنق الاقتصادي، في نفس الوقت تشكل إيران ضلعًا مهمًا في لعبة التوازن الأمريكي بالمنطقة، الولايات المتحدة غير معنية بهيمنة قوة واحدة في المنطقة، سواء كانت إسرائيل أو السعودية أو تركيا، فالعدائية المتوازنة بين الأطراف لعبة ومصلحة أمريكية، يمكن تشبيه المنطقة بلعبة شطرنج تلعب فيه إسرائيل دور الوزير الذي يناور في كافة الاتجاهات، فيما تلعب إيران دور الفيل ذهابًا وإيابًا في نفس المسار وممنوع الخروج منه، فيما تلعب تركيا الحصان الذي بحاجة لحسابات دقيقة في كل حركة يقوم بها، لكن للأسف الدول العربية ليست أكثر من منفضة السجائر الذي ينفض بها اللاعبون أوساخ سجائرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد