لم يَعُد جنودنا يرابطون على حدود القدس، وشمس العرب منذ فترة لم تشرق فوق مضارب الجولان المحتّل، وحروب الزمان الغابر أرهقتها غبرة النسيان، والتاريخ في كتب التاريخ يعاني برد الفراق، فمنذ زمن ليس بالقصير لم يطرق بابه أحدٌ. أجل.

لقد نقلوا المعركة من أرض الواقع إلى ساحاتٍ افتراضيةٍ، وأنت سيدي العربي كل المطلوب منك تكديس المنتجات، وإياك أن تُفلِت زمام التفكير في عقلك، إياك أن تتنفس أكثر من اللازم، حذارِ أن ينبض قلبك خارج خطّ الاستواء الديمقراطي المجهول.

ثمّ يكتبون عن جيل سيضاهي بالقوة (صلاح الدين)، سيتخطى بالعدل (ابن عبد العزيز)، سيتجاوز في رباطة الجأش (ابن الوليد)، سيقفزُ فوق بطولات (عامر ابن فهيرة)، وسيتمتع بعقلية (مالك بن نبي) التنموية، وسيكتبُ أجمل من كتابات (الماغوط)، وسيتحلى بصفات (يوسف العظمة) البطولية، وسيرفع راية الوطن ويفقد في سبيلها أطرافه ليخلده التاريخ كما خلّد (جعفر) ورفاقه.

سيُعيد القدس كما أعادها الفاروق، سيفتح الجولان كما فتح (محمد الفاتح) القسطنطينية، وسيقرع أجراس الكنائس في الأندلس ويهزج على ربا فارسَ بلكنةٍ عربية. لكن كيف؟

كيف وقبضات البلاي ستيشن لا تفارق أيدي هذا الجيل، وهم غَرقى في حروب الكونترا سترايك، وسلاح الكلاشنكوف البلاستيكي، والمسدسات المائية خالية الذخيرة من أي طموح. كيف وهُم خلف متاريس الأحلام اللا طموحية، وعلى جبهات الأماني الوضيعة، ويتململون في طوابير الصباح، يزيلون عن مآقيهم بقايا نوم عميق، ويحفرون في أنوفهم كهوف التبعثر والشتات؟ على من نعتب، ومن نلوم ، وإلى متى سنظل نخلق الأعذار؟ وأين الفاتحون المعنيون؟

أين جيوش النهضة، وعقول التقدم؟ ثمّ يسألونك لماذا حلمُ التحرير رقيقٌ هَش؛ لعلّ بلاط الشهداء، ضروس القادسية، وصيحات حطين، وملحمة ميسلون، ليس لها في ذهن هذا الجيل وجود، ولا في تلافيف دماغه مكان.

في رقعةٍ افتراضيةٍ استنزفوا القدرات وأضعفوا الطاقات، فخارت القوى وتقهقرت العزائم وذاب النصر وتبخرت تطلعات الاسترجاع. هيهات بين يدين، بين قبضتين، بين حربين، بين افتراض وواقع، بين ألم وأمل، بين البلاي ستيشن والبندقية.

صيحي أيتها الديكة في كل صباح، وأعلني من جديد وطننا العربي مشرذمًا ممزقًا واهيًا مستكينًا، لكن صيحي في هدوء، كي لا تزعجي جموع النيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد