بدايةً، دعونا نتوقف برهةً نجهش بالبكاءِ سِرًّا، ونستشيط غضبًا علانيةً، على واقع مُرٍ ومريرٍ، تحول بقدرة قادرٍ، من عوالم الصراع العربي الإسرائيلي، إلى أكوان «التحالف العربي الإسرائيلي» (ويا لبؤس هذه التسمية)، عبر ضرب القومية العربية والقيم المحلية، عرض الحائط، دون الاكتراث للقضية الفلسطينية، بصفتها بؤرة توتر ما زالت عالقة في رقاب الأمة العربية جمعاء.

نحن نستغرب لدرجة يؤلمنا الاستغراب، ويجعلنا نحسُ حقيقةً بغربة قهرية تستبد بنا من أعلانا وأسفلنا. نُسائل النفس العربية، قبل أن نستنطقها اتكاءً على كونها ذاتًا إنسانية بالدرجة الأولى، نقول لها: أيا ترى قضيةُ فلسطين ما عادت تعنينا؟ إن مجرد طرح هذا السؤال موجع، ولا أجدني أستطيعُ أن أصف أحاسيسي كلما رأيت بنيامين نتنياهو يتجول بخيلاء البلادَ العربيةَ، ثم يركن إلى «تويتر» ليغيظ الشعب الفلسطيني الحنيف، الذي علق آماله على أمةٍ تتسم بالجبن، والذل ،والهوان، والتبعية، والاستعباد. وكأنه يخبر الشعب الفلسطيني مباشرةً: بأن الكُل في صفنا، فما عليك إلا الخضوع والركوع، وأن لا تتجاسر أكثر من اللازم!

إن هذه الخرجات الافتراضية «للوزير الأول الإسرائيلي»، حتمًا قد يدفع بنا الوعي القومي إلى وصفها بـ«التصرفات الصبيانية»، وإن كانت في باطنها قد تدل على الحنكة السياسية لنتنياهو، المُتوجة بالهرولة إلى تسويق السياسات الخارجية الإسرائيلية، التي تمتد إلى جل الدول العربية، كمصر، وسلطنة عمان، والإمارات، والسعودية وبلدان أُخر، لربما يعلن عنها مستقبلاً، إنه الجري وراء تَطوِيعِ و«تضبيع» دعاة التطبيع، الذين ما فتئوا يكيلون المديح والثناء للكيان الصهيوني، ويرونه ورقة رابحة لا غنى عنها، للتصدي للخطر الداهم والقادم كموجة خرافية، ولعله يتمثل في القوة الضاربة التي تتربعُ على عرشها إيران الفارسية. كما يحاولون، تَوسلًا بـ«إسرائيل»، بناءَ جسورِ صداقة صلبة ومتينة، مع بلاد العم سام، التي تتحكم في دواليبها الحركة الصهيونية العالمية واللوبيات اليهودية. وقد صدق من قال: ليس ثمة أخلاقٌ في السياسة!

صراحةً، نحن لا نكادُ نستوعب، ألهذه الدرجة بلغ السعي إلى الماديات، يقتضي رَكلَ القيم الإنسانية السامية المحلية، من قبيل: التضحية والتفاني ونكران الذات. قد يقول قائل إن «إسرائيل» قوة اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، بالمنطقة، وغاية في الأهمية هو الدور الذي يمكن أن تلعبه في تدفق الرساميل الأجنبية الضخمة، والصفقات الاستراتيجية الطنانة، إلى الشرق الأوسط على وجه الخصوص. وعليه، فالبلدان العربية مطالبة بـ«التطبيع» مع الكيان الصهيوني، الذي نراه في نظرنا، ظالماً ومحتلاً. دونَ أدنى ذرة من الرحمة البشرية، يَتهجمُ على سيادة دولة، ويَدُوسُ على الأعراف الدولية. يَغتصبُ أرضًا ويفتضُّ بكارةَ شعبٍ له تاريخ عريق، وقدسية رمزية عظيمة في نفوسنا جميعًا، ولا أستثني أحدًا، ولا أي عربي، وحتى ذلك الذي يترنح بين مؤيدٍ تارةً، وموبخٍ ومعارضٍ تارةً. حتى أولئك الكتبة الجهلة والصِّحافيين الانتهازيين يفقهون جيدًا ما نَودُّ إبلاغه.

وللحاكم العربي أقول: أيها الحاكم! أولست تدري أن وقوفك في صف عدوك معناه تحالفك ضد صديقك وابن طينتك؟ هل يمكنك أن تقول لي من أين ستستمد فلسطين قوتها المحتضرة، وشموخها الذي ما بقي منه إلا القليل، إن أنت ذهبت وارتميت في أحضان «إسرائيل»؟ أكنت تجهل أن ملشيات الهاغانا قتلت آلاف الفلسطينين، وما زال الجيشُ الإسرائيلي مستمرًا في خطف أرواح الأطفال والشيوخ والنساء يوميًّا؟ لِمَ ذلك؟ أفقط لأنهم يدافعون عن أبسط حقوقهم في الحرية والكرامة الإنسانية والعيش الكريم في أرضهم، التي لم تعد أرضهم منذ علو نجم النكسة؟ أتود أن تكون جبانًا مثل الصهاينة؟ نعم، إن الجبن ليس له وجودٌ في ثقافتنا! إن الشعب الفلسطيني أعزل وما زال يكافح! أتفهمني؟! أَعزل! فرجاءً لا تتخلى عنه.

إن الصلح والسلام، لا يمكن أن يتم دون محاكمة ومعاقبة «إسرائيل» على الجرائم مكتملة الأركان، المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني منذ 1948، وأن تعتذر له، وتنسحب من أرضه، ولقد نعلم أن أقوالي لا تعدو كونها رؤيا حنانة، ولكن يقينًا هناك جذوة كرامة ما زالت تضيء دروب الأمل العتمة، وقد تنبئُ بعهد وافر الشموخ والبهاء، فنحن لا نستطيع أن نتخبط أكثر في «زمن الذلقراطية» آه! يا لفداحة ووجع ما أقول! أعتذر منكم فأنا تحمستُ قليلًا.

ختامًا، نحن نود أن نتأسف على التلاشي والمحو العربيين, ونَستنكرُ ونَستهجنُ السماء العربية التي غدت ملبدة بالأحزان، ونُعرج بالقول إن كتابة هذه السطور ليس مسعاه أن نزيد من حدة العداوة أو نُؤجج لهيبَ الحرب مع «إسرائيل»؛ لأن الأمر سيكون بمثابة تقديم أرواح إخواننا الفلسطينيين قربانًا، إلا أننا نريد أن نؤكد أن هذا المقال، يحاولُ بكل ما أوتي من حروف وكلمات أن يقول لأي حاكم من حكام العرب: «أرجوك، لا تخبرني أن (إسرائيل) ليست عدوًّا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد