للوهلة الأولى ستستغرب من العنوان، لكن ألق نظرة سريعة على طبيعة ممارسة التدريب والتنمية البشرية في بلداننا العربية هذه الأيام ثم قارنها بواقعنا وستخرج – في الغالب – بنفس النتيجة التي وصل لها كاتب هذه السطور.

لن أخوض هنا في التنمية البشرية بكافة موضوعاتها، وعن مدى جدوى الدورات التدريبية وأثرها الحقيقي والفعلي على عمل وحياة المتدربين… من ناحية علمية، التنمية البشرية موضوع دقيق وعميق وفيه فائدة حقيقية للمجتمع، تتداخل فيه علوم النفس والاجتماع والإدارة، لكن الكلام هنا هو عن مفهوم التنمية البشرية الذي اختزله المدربون العرب في النجاح والقيادة والإيجابية … إلخ.

تركيزي في هذا المقال سيتمحور حول «القيادة» مفهوما وممارسة. واسمحوا لي أولا أن أطرح بعض التساؤلات قبل الاسترسال في الحديث.

هل يجب أن أكون قائدا؟ وهل يجب أن تكون أنتَ قائدا؟ أو أن تكون هي قائدة؟

كم قائدا يجب أن يكون لدينا؟ هل سيكون حالنا أفضل لو كان جميع من في الوطن العربي قادة؟  يعني، هل زيادة عدد القادة ستفيد أم أنها ستزيد من سوء الوضع القائم؟

لن أجيب الآن عن هذه التساؤلات، إنما أريد أن أقترح فكرة أخرى – في آخر المقال – لتدخل حيز التركيز والنقاش في الساحة العربية. أعلم أن كلامي هذا سيقطع «بابَ رزقٍ» كبير عن كثير من مرتزقة التنمية البشرية. لكن فداحة الموقف تتطلب الوقوف والتفكير المليّ.

موضوع القيادة ضخم جدا، وفيه الغث والسمين، لكن مع كل الأسف، فإن الغالبية العظمى من المدربين العرب يركزون على المحتوى الغث دون المفيد والعلمي الذي تثبته التجارب المستمرة حول العالم. هم يختارون العناوين البراقة والجذابة للعامة من الناس. والسبب معروف حسبما أفترض، فكلما زاد عدد المنجذبين والمهتمين، زاد عدد الحاضرين، وبالتالي زاد المردود المادي جراء تقديم هذه الدورة أو تلك.

ومن باب الصراحة، فالمحتوى العلمي[1] في القيادة ممل بعض الشيء لغير المهتمين والدارسين، ولن يحقق عامل الجذب الذي تنشده مراكز التدريب. كما أن غالبية الساعين وراء هذه الدورات هم من الأشخاص قليلي الوعي، قليلي الصبر على تطوير ذواتهم ليصبحوا أناسا أفضل! ستقول لي: مهلا، وكيف حكمت عليهم بقلة الوعي؟ وللأسف، لن أجيب هنا أيضا، فقط احضر في أي دورة تدريبية عن القيادة، اسمع وانظر واحكم بنفسك.

بمجرد سماعي لمصطلح «التنمية البشرية» فإنني أفترض وجود شخص (أو أكثر) يعرف مواطن الخلل في حياته وشخصيته (أو يبحث عنها على الأقل) ويسعى لإيجاد حل لها حتى تتحقق «التنمية» لديه. وأظن أنه من البديهي والمعروف لدى القراء أن تغيير السلوك والعادات، والشخصية على مستوى أعلى، ليس بالأمر الهين، ولا هو بالسريع بالتأكيد. الأمر يتطلب الكثير من الوقت، والعميق من التفكير، والكثير من الجهد والصبر والتحمل والمثابرة.

مشكلة أغلب مدربي التنمية البشرية أنهم لا يركزون على إفادة المتدربين عبر زيادة وعيهم بأنفسهم وما يحتاجون إليه حتى يغيروا سلوكياتهم ويتطوروا حقيقة وينعكس ذلك على حياتهم الشخصية والاجتماعية والمهنية. بل يبهرونهم بالكلمات البراقة والأرقام والإحصائيات الخرافية التي لا تعلم لها مصدرا ولا يمكن قياسها فعليا بحال من الأحوال[2]، ويدخلونهم في متاهات يصعب الخروج منها.

لا تصبح قائدا.. ما البديل إذن؟

أنا لا أدعو لإلغاء كل محاولة نقاش أو تدريب على القيادة، فهذا ضرب من العبث الفكري. إنما أدعو إلى زيادة التركيز في الطرح على بعض المواضيع الحساسة ذات القيمة الحقيقية والفعلية.

لكن، من الضروري الإقرار بداية أن مشاكل العرب هذه الأيام يعود جلها إلى عدم وجود القيادة الحكيمة الساعية للنهضة، ذات الرؤية الواضحة الباعثة للحماس.

بالنظر إلى هذه المشكلة، هل ساعدت دورات القيادة والتنمية البشرية عبر عقدين من الزمن في حل هذه المشكلة؟ في نظري أن هذه الدورات قد عمقت من الأزمة. حيث أصبح محور تركيز أغلب الشباب هو كيف يصبح قائدا، ظانّا أن القيادة لقب يمنح لشخص دون الآخر، دون الالتفات إلى تطوير معرفته ومهاراته وعلاقاته، ودون أن يصب اهتمامه في التركيز على مجال يبدع ويتطور فيه ليقوم بوظيفة محددة ويمارس دورا واضحا له في نهضة المجتمع ويسد ثغرة من ثغراتنا هذه الأيام – وما أكثرها!

من ناحية علمية، لا يوجد في علم القيادة 100% قائد أو 0% قائد، إنما يوجد أدوار قيادية رئيسة[3] يجب أن يمارسها أحدهم. في الحقيقة، ليس شرطا أن يوجد الكثير ممن يستطيع تحقيق هذه الأدوار جميعها، ويصعب أساسا أن تجد فردا واحدا يقوم بها كلها بمستوى عال الكفاءة.

ومن باب المعرفة، على الهامش، لم يتفق الباحثون على عدد محدد لهذه الأدوار، لكن من أهم هذه الأدوار: (التخطيط – التغيير والإبداع – التحفيز – القدوة – التدريب – العلاقات – التفويض والتمكين)

إذن، الفكرة البديلة التي أطرحها لتشغل بعضا من الحيز الذي تشغله القيادة بطرحها الحالي تتمثل في أنه يجب أن يكون لكل إنسان في المجتمع دورا (أو سمِّها وظيفة) يقوم بها على أحسن وجه ممكن، ويسعى لاكتساب كافة المهارات والمعارف اللازمة للتطور فيها والوصول إلى أعلى المراتب الممكنة في مجاله.

كما أنني أريد من عامل النظافة أن يقوم بعمله على أكمل وجه ممكن، فإنني أطلب من الموظف الحكومي ومن الشرطي ومن المعلم ومن رجل الأعمال ومن رجل السياسة، ومن كل الناس، أن يقوموا بأعمالهم على أكمل وجه ممكن.

حين يتقن كل منا دوره ووظيفته في المجتمع، حينها، وفقط حينها، تبدأ مشاكلنا تنحل عراها واحدة تلو الأخرى.

إذن، فليجعل كل منا تركيزه ينصب في أن يصبح شخصا أفضل، لا أن يصبح قائدا!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] لك أن تكتب كلمة قائد (leader) أو قيادة (leadership) في أي مجلة علمية عالمية لترى كمية الأبحاث المنشورة.
[2] أذكر هنا أن المدرب الشهير المرحوم إبراهيم الفقي ذكر أن عدد الأفكار التي يفكر بها الإنسان العادي هي 50 ألف فكرة يوميا !!
[3] أنظر كتاب (القيادة في القرن الحادي والعشرين) ومقياس (القائد النموذجي) لطارق السويدان.   
عرض التعليقات
تحميل المزيد