يدأب الإنسان منذ لحظة ولادته على الحصول والظفر بأي شيء يسعده ويبهج أركان حياته من غبطات السرور، ولو تمعنت جيدا بتصرفات وردود أفعال من يحومون حولك لأدركت أنهم جميعا يسعون وراء اللذة.

اللذة، هي تلك الرغبة والشعور الشفيف الذي يدق أوج مشاعرك وأحاسيسك خلال لحظة تمارس طقوسها بشغف، والتي تحاول من خلالها أن تصل للكمال والرضا، أو بمعنى مبسط هي موقف سعادة وهنيهة استمتاع وومضة حبور يعيشها الفرد من خلال المواقف والممارسات اليومية، ويعتمد نجاح عملية جني اللذة على عدة عوامل يتمتع بها الفرد كالعوامل الجسدية والفكرية والاجتماعية، بعض اللذات مادية تحكمها الغرائز وهي مهمة من أجل استمرارية الحياة وإعمار الأرض وإنماء البشرية كالجنس والأكل، وأخرى لذات غير مادية تندرج تحت مفهوم اللذات الوهمية التي يصوغها ويسطرها الشخص في مخيلته، وأيضا هناك اللذات التي تهتم بمباهج العقل كالمعرفة وما يبجل الروح ويثريها.

في قانون اللذة ليس عليك سوى أن تبحث في مخزون بركان مشاعرك وطموحاتك وأن تتبختر بحماس بين خلجات أنفاس النشوة الرقراقة، ولا تتعجب إذا رافق الألم مسرب لذتك، فالألم يجعلك تستطعم حلاوتها وتقدر قيمتها وتستفرد بتتويجها، فحياة الإنسان تقع بين ركن اللذة وزاوية الألم، حيث يداوم الفرد على محاولة الاستحواذ على اللذة والمناص في نفس الوقت من الألم الذي قد تكون عواقبه أحيانًا فرحا سرمديا كألم المخاض الذي يفجر لذة الأمومة، وكوصب مجابهة الصعاب التي نسعى لتجاوزها لنحصل على لذة النجاح، وعليك أن لا تساوم على عناوين اللذات التي تجاهد للحصول عليها فهي منبع سعادتك وجائزة صبرك على كمد الدنيا، فهي تنمي وتصقل داخلك من ناحية روحية وتعزز وجودك الإنساني، ويختلف مفهوم قيمة اللذة بين البشر، فبعض اللذات قد تكون عظيمة في نظر الكثيرين، لكنها قد تكون خائرة وغثيثة في نظر آخرين.

بعض اللذات عندما تولد في فصول حياة الإنسان تغير تقاسيم الواقع ووجه المستقبل، لذات تجعل الدماء تسري في عروق اليأس الوخمة وتبدد العلل الجاثمة على القلوب الرميم، كلذة الشفاء من مرض مبرح قارس أو كلذة الأمومة التي تتحقق بعد سنوات من العقم أو كلذة الانتصار على العدو.

ويطفئ الموت اللذة ويلتهمها، لكن قد ينقلب ميزان المنطق ويصبح الموت مصدرا للذة، كما يحدث جليا في هذه الأيام العصيبة سياسيا والمترعة دمويا، حيث يدبج طواغيت التنظيمات الإرهابية لأتباعهم الجهلة الموت، ويوهمونهم بأن قتل الأبرياء سيمهد لهم معانقة الجنة، وأنهم سينصهرون في لذات لن يحصل عليها إلا من ينفذ أوامرهم ويقتل في سبيل أفكارهم العفنة، وتضم المجتمعات مجموعة من الأفراد (السيكوباتيين) الذين يسعون دوما لإرضاء شهواتهم وتحقيق أكبر قدر من اللذة غير آبهين بالأعراف والقوانين، وبسببهم يتدحرج وعي وأمن المجتمع إلى الحضيض وينتشر الفجور الأخلاقي والجرائم التي تعتدي على الحق الإنساني والكرامة، كجرائم الاغتصاب وجرائم القتل وحتى الحروب التي تحدث بسبب شهوة السلطة.

لكن يفقد البعض إحساس وشهوة اللذة وينشل من داخلهم شعور الرغبة فتصبح حياتهم باهتة وصباحاتهم واهنة، يتأقلمون مع الحزن الذي يعيق نشوب نشوتهم ويتوحدون مع الشجن، ويغضون الطرف عن اللذات المعلقة بسماء أرواحهم، ويسعون لمجاورة البعد والعزلة لأنهم فقدوا لذة الحياة ونهمة العيش بسبب ظروف ألمت بهم جعلت دنياهم جهمة وقاسية، كرحيل أحد أحبتهم أمامهم عبر جسر الموت أو بسبب ظلم كان أثره عليهم أعظم من أن يحتمل أو بسبب مرض شرس ينهش أجسادهم أو بسبب أن اللذة التي كانت بالنسبة لهم أمنية وكانوا يسعون لتحقيقها لسنوات قد جاءت متأخرة ففقدت قيمتها وسحرها.

شيدوا داخل مهجكم أن السعادة حق للجميع، وأن هناك لذات لا تليق بأصحاب الحياة المجوفة الذين يؤمنون أن اللذات المادية هي من ترصع تاج الحياة، فالتكالب الفاحش على هذه اللذات يئد الأحلام ويجتث من داخلنا القدرة على التمرد على طبائعنا الحيوانية، فالحياة تزخر بلذات أكثر قيمة وأكثر لذة، كلذة داء الحب ولذة تنفس الكرامة، ولذة ممارسة الإنسانية ولذة الشعور بالصداقة الحقيقية، ولذة القراءة التي تدثر عقلك بقسامة الفكر، ولذة الحماية التي يمارسها الأب لصون عائلته، ولذة التفاخر والشغف بالأوطان، ولذة الدعاء إلى الله، ولذة البحث عن لذة جديدة ترفد خلدك بالسموق والرفعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد