بات إخفاء إنتهاك مايسمى السيادة الوطنية المزعومة أمرًا مستحيلًا، فالحكومات العربية غالبًا ما تلجأ إلى تجاهل الممارسات التي تمسّ بسيادتها والتعتيم عليها إعلاميًا، متناسين أن هناك تاريخ يجحظ بعينيه ويسجل كل مامرت به هذه الأمة المحظوظة، وهناك شعوب ما انفكت عن الاحتفاظ بهذه النكبات والنكسات كأوراق أمامهم في حال قررت الانتفاضة وقلب النظام ليصبحوا معارضة عندما تسنح الفرصة كما الحال في سورية. هي انتهاكات متتالية تتكرر من حينٍ لآخر دون أي رادع يقلل من حدة الانتهاك الذي يليه، لا بل هي في تصعيد وتفاقم مستمرين. فهذه الحكومات تستقبل الانتهاكات لسيادتها بصدرٍ رحبٍ ودون زرع أي جزء بسيط من الخوف في نفس المرتكب كي يعزف عن الانتهاك التالي قبل أن يفكر فيه. هي مرحلة ماشهدت البلاد العربية مثيلها من قبل مضاجعةً للسيادة الوطنية ليلًا نهارًا على يد الجيران والأخوة: سوريا، لبنان، الأردن وإسرائيل.

في الواحد والعشرين من يوليو (تموز) 2017 يوم الجمعة أطلق حزب الله عملية عسكرية في جرود عرسال اللبنانية بالاشتراك مع قوات من الجيش السوري على الجانب الآخر من جرود القلمون السوري في سبيل استئصال جبهة النصرة من المنطقة هناك، في حين تم تهميش الجيش اللبناني وجعله خط نار خلفي لـحزب الله منعًا من تسلل أو إنسحاب أي مقاتل من النصرة باتجاه عرسال. وفي هذه الخطوة الذكية احتفظ حزب الله بـالنصر الإلهي لنفسه، ليعود ويقول: أنا الآمر الناهي في هذه الدولة، لكن في هذه الحالة لم يكن هناك طرف خارجي انتهك السيادة الوطنية للبنان، بل كان المكوّن داخلي هو الطرف الرئيس في الانتهاك، والذي أساء إلى الجيش اللبناني معتبرًا إياه فصيلًا مساعدًا، وهو من المفترض أن يخوض المعركة لوحده دون وجود حزب الله. وتمهيدًا لهذه العملية شنت الطائرات السورية عدة غارات على منطقة تلال عرسال الواقعة على الحدود السورية اللبنانية مساء الأربعاء في التاسع عشر من تموز لتكون بدورها انتهاك صارخ آخر يضاف إلى رصيد الشقيق الأصغر لسوريا، والتي عادةً الدولة اللبنانية ما تكتفي بالصمت أو في أقصى الأحوال الشجب والاستنكار بطريقة لبقة ولطيفة.

وبالتزامن مع العملية العسكرية في جرود عرسال، اندلعت مواجهات في القدس المحتلة بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن رفض المصلون الدخول إلى المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة احتجاجًا على وجود بوابات إلكترونية على مداخل الأقصى، الأمر الذي دفع المصلين إلى الصلاة خارج المسجد. وراح ضحية المواجهات ثلاث شهداء ومئات الإصابات في عدة مناطق فلسطينية نتيجة قمع المحتجين بصورة وحشية، في ظل انشغال محور المقاومة بمطاردة فلول التكفيريين في سوريا وعلى الحدود اللبنانية السورية. هذا ويشير مراقبون إلى أن التزامن بين العملية العسكرية والمواجهات في القدس مثيرة للشبهة، فما قام به حزب الله في جرود عرسال ربما يعتبر تغطية للتصعيد الذي قامت به إسرائيل من فرض قيود على دخول المسجد الأقصى، وبالتالي فإنه يصب في مصلحة إسرائيل في المقام الأول حيث امتص حزب الله كمية الأضواء الإعلامية الضخمة التي كانت لتُسلط على المواجهات لوحدها لولا العملية العسكرية في الجرود. فكرة أن ماحدث من تزامن هو محض صدفة قد يؤيدها ويتبناها جمهور المقاومة، لكن والذي لم يخطر في بالهم، لمَ حزب الله لم يطلق عمليته العسكرية ليباغت النصرة حين اقتحم الجيش اللبناني بعض مخيمات اللاجئين السوريين في جرود عرسال في الفترة التي سبقت عملية حزب الله، حيث كانت الظروف مؤاتية جدًا لعملية كهذه من ناحية تواجد دعم عسكري لايستهان به من قبل الجيش اللبناني، لكن سطوة حزب الله ورغبته في الاستفراد بهذا النصر وتغطية التصعيد في فلسطين جعلاه يرجئ العملية. ومع ذلك كله يصرّ حزب الله على إطلاق صفة المقاوم والممانع على نفسه، ويهاجم شمالًا وشرقًا وغربًا في سوريا، إلا جنوبًا، حيث إسرائيل تقتل وتقمع الشعب الفلسطيني حسب قول البعض.

مساء الأحد في الثالت والعشرين من يوليو (تموز) 2017 أقدم أحد رجال أمن السفارة الإسرائيلية في العاصنة الأردنية عمّان على إطلاق النار على شابًّين أردنيين كانا يعملان في شقة في مبنى سكني تابع للسفارة نتيجة اشتباهه بهم؛ مما أدى إلى مقتل محمد الجواودة البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، وإصابة زميله ماهر إبراهيم الذي نوفي نتيجة إصابته لاحقًا. ذلك دفع فريق عمل السفارة الإسرائيلية برئاسة السفيرة عينات شلاين إلى مغادرة الأراضي الأردنية مع القاتل الإسرائيلي (هذا مااتفقت عليه معظم وسائل الإعلام، لكن هناك روايات عديدة تحوم حول تفاصيل وحيثيات الحادثة). يعتبر كثيرون أن إسرائيل هنا لم تنتهك السيادة الوطنية للأردن فحسب، وإنما قضت عليها عن بكرة أبيها لاسيّما بعد سماح السلطات الأردنية للطاقم بالخروج من الأردن وتغريدات جندلمان المتحدث باسم نتنياهو على حسابه في التويتر التي تفيد بأن كامل طاقم السفارة عاد إلى إسرائيل بفضل التعاون المثمر الذي جرى بين إسرائيل والأردن. فذلك إن دلّ على شيء فإنه يدل على ضعف الأردن تجاه اتخاذ أي موقف ضد إسرائيل الدولة المعتدية، فبدلًا عن ذلك اشترطت الحكومة الأردنية لعودة طاقم السفارة إلى عمان تقديم رجل الأمن وقاتل الأردنيين الاثنين للمحاكمة. وكأن إسرائيل ستقدم القاتل للأردن مع وابلٍ من التطمينات بعدم تكرار ذلك، لكن مايفضح زيف مطالبة الحكومة الأردنية بتقديم القاتل للمحاكمة ويجعلها غير جديّة هو سماحها لهم بمغادرة البلاد دون قيد أو شرط.

ما ذُكر أعلاه هو فقط غيض من فيض مضاجعات لما يُعرف بالسيادة الوطنية للبلاد العربية إما على يد العدو أو على يد الأخوة. فلابد لهذه الحكومات أن تصحو من حلمها بأن هناك سيادة وطنية لبلادها، وربما ليس بحلم، فهي متيقنة أن لا سيادة لها، وإنما ماء وجه أمام شعوبها، وذلك يفرض عليها الاعتراف أمام شعوبها بأن هذه السيادة ضوجِعت مرات عديدة فلا داعي لذلك الكبرياء والتضليل، ليكونوا لمرة واحدة صادقين أمام شعوبهم حتى بالخسارة التي تفتك بهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات