لا تصالح 
و لو منحوك الذهب 
أترى حين أفقأ عينيك
تم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى؟
هي أشياء لا تشترى

هكذا بدأ الشاعر أمل دنقل قصيدة لا تصالح التي كتبت عام 1976م، ولهذه القصيدة أبعاد تاريخية متعلقة بقصة «الزير سالم»، والقصيدة هي نص متخيل على لسان كليب ينادي فيه أخاه الزير سالم لآخر مرة قبل أن يقتل على يد جساس.

أمل دنقل شاعر مصري تأثر بكل من بدر شاكر السياب، وعلي محمود طه وغيرهم من شعراء التجديد والحداثة. كان مهتمًّا بالآداب العالمية، إذ تأثر ببودلير وإليوت ويرى النقاد أنه أحدث في قصيدته نوعًا من المزج بين الموسيقى الموجودة في القصيدة الغربية الحديثة، وبين البنائية الكلاسيكية الموجودة في القصيدة العربية.

لقد كتبت القصيدة قبل سنة من زيارة السادات للقدس المحتلة، حيث ألقى خطابا في برلمان الإحتلال الإسرائيلي «الكنيست» قائلًا: «قد جئت إليكم اليوم على قدمين ثابتين، لكي نبني حياة جديدة، لكي نقيم السلام وكلنا على هذه الأرض، أرض الله، كلنا مسلمون مسيحيون ويهود نعبد الله ولا نشرك به أحدًا»، كما قال: «لقد أعلنت أكثر من مرة أن إسرائيل أصبحت حقيقة واقعة، اعترف بها العالم. ..». وبهذا فقد كانت القصيدة بمثابة نبوءة لهذه الزيارة وإدانة لنظام السادات الذي حاول تركيع الأمة العربية للكيان الصهيوني.

وهنالك تشابه بين قصيدة «لا تصالح» لأمل دنقل وقصيدة محمود درويش «أنا يوسف يا أبي»، إذ يظهر لنا في أول الأمر أن محمود درويش يتحدث في قصيدته هذه عن قصة النبي يوسف، بينما في الحقيقة هو يسقط معاناة يوسف مع إخوته على معاناة فلسطين مع إخواننا العرب.

كما تتشابه الوصايا العشر التي كتبها «كليب» لأخيه مع مقاطع القصيدة، وقد تقمص الشاعر شخصية كليب وأضاف عليها إبداعه ورؤيته لمخاطبة العرب. وفي القصيدة يصرخ شاعر الرفض الأول «أمل دنقل» بلسان كليب قائلًا: «لا تصالح» تعبيرًا عن رفضه للصلح المهين الذي قام به النظام المصري.
و يؤكد الشاعر الرفض التام للصلح فليس هنالك مفر من الحرب حيث قال:

إنها الحرب
قد تثقل القلب
لكن خلفك عار العرب
لا تصالح
لا تتوخ الهرب

و تجدر الإشارة إلى أن كليب في القصيدة يرمز إلى الإنسان العربي الرافض للصلح.

لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ – بذؤابته – لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف

يؤكد الشاعر هنا ضرورة الثأر من أجل استرجاع الأراضي المغتصبة. والثأر بالنسبة لدنقل ارتبط بمعايشة المعطيات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية. يتشكل الثأر بالنسبة للشاعر في اتجاهين: الأول داخلي له علاقة بالفروق الطبقية بين فئات المجتمع المصري، والثاني خارجي مرتبط بمحاولة استرجاع الأراضي المحتلة من العدو الصهيوني.
رغم كون القصيدة كتبت آنذاك للتعبير عن رفض الشاعر لمعاهدة السلام إلا أن رمزية القصيدة جعلتها صالحة لكل زمان ومكان، في كل ظرف يخون فيه المرء أخاه ويسامح في دمه.
و بعد مرور أربع وأربعين سنة ما زالت كلمات القصيدة عنوانًا للمقاومة وشعارًا لكل ثائر يأبى الخضوع. كلمات تصرخ رفضًا للصلح المهين متشبثة بالقتال والدم، كلمات تصرخ في وجه كل قارئ لها لمحاولة إحياء ضميره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد