(لو أننا لم نفترق، لبقيت بين يديك طفلا عابثا، وتركت عمري في لهيبك يحترق، لا تسألى العين الحزينة كيف أدمتها المقل، لا تسألي طير الشريد بأي أسباب رحل! رغم الرحيل، رغم مافعلت بنا الأيام، قلبى لم يزل يحيا وحيدًا بالامل، أنا يا حبيبة كل أيامي قتيلك في الهوى). كنت أرتشف كوبا من الشاي الساخن في الشرفة وأنا أستمع إلى تلك الكلمات من القيصر كاظم الساهر، اتسعت حدقتا عيني من عمق الكلمات ومن وقع أثرها في وجداني ولأول وهلة ظننت أن مؤلفها نزار قباني ولكن عندما بحثت وجدت أنها تعود إلى الملهم (فاروق جويدة)، تحمست أن أبحث عنه أكثر وبالفعل قمت بتحميل معظم كتاباته وبدأت في قراءة دواوينه الشعرية مثل (ويبقى الحب، في عينيك عنواني، لأني أحبك، أغضب) وغيرها… ودونت بعضًا من المقتبسات التي أغرمت بها، مثل:

  • من قصيدة ويموت فينا الإنسان يقول في بيت له (ورأيت أن الحب يقتل بعضه، فنظل نعشق، ثم نحزن، ثم ننسى ما مضى ). استطاع هنا أن يختزل في بضع كلمات التسلسل الذي يحدث بين أغلب عشاق اليوم.
  • (يا ساداتي عندي سؤال واحد، من أجل من يتمزق الغد في بلادي؟ من أجل من يجني الأسى أولادي؟)
  • (أمات الحب عشاقا، وحبك أنت أحياني، ولو خيرت في وطن، لقلت هواك أوطانى، ولو أنساك ياعمري، حنايا القلب تنساني، إذا ماضعت في درب، ففي عينيك عنواني).
  • (اغضب، فإن العار يسكننا، ويسرق من عيون الناس لون الفرح، يقتل في جوانحنا الحنين، ارفض زمان العهر والمجد المدنس تحت أقدام الطغاة المعتدين، اغضب فإن الناس حولك نائمون، وكاذبون، وعاهرون، ومنتشون بسكرة العجز المهين، اغضب فإن الله لايرضى الهوان لأمة، كانت ورب الناس خير العالمين).
  • (لا أنت أنت ولا الزمان هو الزمان، أنفاسنا في الأفق حائرة تفتش عن مكان، جثث السنين تنام بين ضلوعنا، فأشم رائحة لشيء مات في قلبي وتسقط دمعتان، فالعطر عطرك والمكان هو المكان، لكن شيئًا تكسر بيننا، لا أنت أنت ولا الزمان هو الزمان).

أثناء قراءتي لدواوينه الشعرية كنت أقرأ بتمعن وعمق وانفعال حسي، على الرغم من أن شخصيتي ليست رومانسية حالمة إلى هذا الحد، ولكن كلماته أرغمتني أن أفعل ذلك، ربما بساطة كلماته سحرتني، هي ليست معقدة مثل المتنبي تحتاج إلى فحص وتمحيص، ربما لأنه يسرد لحظات الفراق والوجع والحب والسياسة  بشكل سينمائي غير مبتذل، ولكن أحببت كتابات خواطره النثرية أكثر من الشعر؛ شعرت من خلال كتاباته هذه أنه مثل طبيب الطوارئ الذي تذهب إليه ويفحص حالتك جيدا وأنت ما بين الحياة والموت يتحسس صدرك ليتأكد من أن نبضات قلبك تعمل بشكل سليم وإن كانت غير ذلك يمدك بجهاز الـCPR  ليحاول إعادة الحياة إلى قلبك. إنه ينقذني من قمة يأسي التي تجتاحني وأنا أشاهد حال أمتنا اليوم من فساد وغش وخداع وماديات طاغية ويعيد لي الأمل والتفاؤل من جديد، أشعر أنه يكتب حرفيا ما يجول في خاطري وأفكاري. وهذه بعض من خواطره النثرية المفضلة لدي:

هناك خاطرة بعنوان (حواء التي كانت)، والتي يوضح فيها كيف أن مقاييس اختيار الزوج من قبل الفتاة أصبحت متمركزة اليوم على المال والسلطة فقط دون أي اعتبارات أخرى. ويقول فيها:
قلت لها: هل حاولت أن تتحدثي معه في شؤون الثقافة والحياة؟

قالت: يا سيدي هذه رفاهية لايحتملها هذا العصر إنني أحب أن أسمع معه الأغاني الجديدة التي تسمونها هابطة وأشعر بسعادة كبيرة وأنا أذهب معه إلى وكالة البلح حيث يشتري بقايا السيارات القديمة وأرى فيه رجلا مكافحا وأنا لا أريد رجلا يرهق عقلي بنظرياته وثقافاته، أريد إنسانا أشاركه رحلة عمر وليست رحلة سفسطة.

قلت لها: ولكن الزواج ليس فقط طعاما وشرابا وسكنا وسيارة إنه مشاركة وجدانية وعقلية وحوار وأحلام ورحلة عمر .

قالت: ساأكون مهندسة بعد عام واحد وسوف أجلس مع الآلاف غيرى في طابور الانتظار حتى يأتي خطاب القوى العاملة وقد أحب زميلا فيه كل المواصفات الفكرية والعقلية والثقافية وليس عنده بيت ولا يملك وظيفة، أنا أريد رجلا جاهزا حتى ولو كان ميكانيكيا، ماذا يعيب رجلا شريفا يكسب بعرق جبينه أما ثقافته فهذه قضية تعنيني وحدي).

وخاطرة أخرى يقول فيها: (مازال يقيني أن الحياة قادرة على أن تصون جوانب الجمال فيها حتى ولو انتصرت في بعض الأحيان جحافل القبح، مازلت أرى أن نماذج الخير مازالت بيننا ولكن المشكلة أن قدرتنا على الصبر صارت ضئيلة للغاية، نريد أن نجر كل شيء بين أيدينا في لحظات وتصورنا أن إيقاع الحياة يمكن أن يسري على المشاعر فكما نفتح الفيديو ونشاهد الفيلم أو نجري مكالمة تليفونية أو ننطلق بسياراتنا، تصورنا أن ذلك يمكن أن يتم في العلاقات الإنسانية فنجد كل مانريده متاحا أمامنا، والحقيقة أن الناس معادن، ما أكثر الرخيص منها وما أقل النادر ومن بين آلاف العملات المزيفة بينهم سوف تجد إنسانا نقيا صادقا أصيلا وأنا على استعداد أن أدفع نصف عمرى في رحلة بحث عن إنسان أريده ولا أضيع لحظة واحدة من عمري مع شيء لا أريده، الأحلام العظيمة لا يمكن أبدًا أن نجدها لقيطة على أرصفة الشوارع، إنها تسكن أبراجا وتحتاج إلى جهد كبير).

لايسعني أخيرًا سوى قول: شكرًا فاروق جويدة على ما منحتني إياه من عظيم العمق الوجداني والتأمل الحسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ادب, فن, مقال راى

المصادر

شكرا فاروق جويدة
عرض التعليقات
تحميل المزيد