وقفنا في المقال السابق على رؤية التجاني للأوزان التي ينظر إليها كقيود حجَّمت مقدرة الشعر على تحريك كل خلجات النفس، وأنها بقدر ما تُحرِّك في النفس فذلك راجع لمقابلتها لقوالب مناسبة بالنفس.

ونقف هنا عند الوجه الآخر من هذه الرؤية عند التجاني، وهو إلغاء الأوزان والتحرُّر منها.. يؤصل التجاني لنوع من الشعر المُلهَم الذي يفسد إن حاول الشاعر وزنه، وكما مرَّ بنا سابقًا فالشعور هو المولِّد للوزن عند التجاني لذا لم يرفض ويمانع هذا النوع جريًا وراء قاعدة (الشعر كلام موزون مقفَّى) الموروثة كما تفعل جماعة الكلاسيك، بل كرَّس احتجاجه على الاكتفاء بمواريث العروض وقبولها رأسًا بدون دراسة للنفس المُنتِجة لها والمتفاعلة معها. يقول في مقاله (مجرى التفكير في الشعر) عن الإلهام الذي يهزّ الشاعر فينتج شعرًا محرّرًا بلا وزن:

«الإلهام… قد تستطيع أن تقول إن بعض الشعر لا عن فكرة وإنما يهبط إلى النفس قويًّا هادئًا في ساعة كأنها لمحة من حياة الأنبياء يُوحى إلى الشاعر فيها ما يُوحى إلى النبي في سره من غير أن يعمِل له فكرًا في ذلك، وإنما هي الفجأة الجميزيَّة لا تلبث أن تنقطع. وليس هذا النوع غالبًا مما يكون للأوزان سلطان عليه، هو مما إذا لم يجد ما يستقر فيه من الأوزان كان بعيدًا أن ينهض باسم «الشعر» بل إن منه ما إذا حاول الشاعر أن يستكرهه لما يودُّ أن يفرغه فيه من الوزن والقافية لم يبق منه إلا ظلال رقيقة على جوانب أحجار متراصّة، لا تكون أكثر دلالة على شيء غير الجمود المنظّم، والقوة المزخرفة. هذا النوع من الشعر هو أول شيء ألهب العاصفة الكبرى التي أثارها بعض الشعراء المُلهَمين على القافية أولًا ثم على ما تستتبع من ضروب العروض وتفاعيله، حتى أطلقوا عليه اسم الشعر المرسل أو الشعر المنثور».

وهنا؛ حتى نفهم مقصد التجاني لأنه ملتبس بغلالة الإيحاء الملازم لأسلوبه: يقول عن الشعر المُلهَم: [إذا لم يجد ما يستقر فيه من الأوزان كان بعيدًا أن ينهض باسم الشعر]، وهذه العبارة دقيقة في توصيف هذا الضرب الشعري وعلاقته بالأوزان: يعني أن علماء الشعر لا يعترفون به كشعر ولا يطلقون عليه اسم الشعر طالما لم يخضع لأوزانهم، والجناية هنا: أن هذا الضرب لم يجد ما يستقر عليه من الأوزان في دوائر الفراهيدي.

وينطلق إلى تأكيد شعرية هذا الضرب بقوله: [إذا حاول الشاعر أن يستكرهه لما يودُّ أن يفرغه فيه من الوزن والقافية لم يبق منه إلا ظلال…]. لدينا صفات لهذا الضرب الشعري المنثور:

– هو نتيجة لإلهام في فجأة جميزية (أي معطاءة كشجرة الجميز المثمرة طوال العام)، يكنَّي بذلك عن الانهمار الإلهامي الذي لا يمكن التفكير في أثناء خطراته بوزن أو قافية، ذكرت سابقًا أن الوزن عند التجاني هو (فكرة).

– أنه لا يُسمَّى شعرًا عند واضعي الأوزان لأنه لم يحقِّق شروطهم كونه لم يجد وزنًا يستقر فيه.

– أنه لا يمكن استكراهه ووزنه تكلُّفًا.

أي إنه شعر عند التجاني ولا شيء آخر غيره، ويمضي التجاني في دراسته أكثر لإيجاد معادلة وازنة لهذا الضرب الشعري المنثور، ولكن قبل أن نستعرض معادلته لننظر في تفحّصه للشعر المنثور الذي أطلَّت بوادره في ذلك الوقت، قبل ظهور الروَّاد الرسميين (جماعة مجلة شعر) لاحقًا.

علينا تقرير، أو ملاحظة، أن هناك بوادر أو فلتات تسبق المدارس الشعرية الرسمية. فعلى سبيل المثال، اجتهدت نازك الملائكة في كتابة الشعر الحر أو شعر التفعيلة. وأسندت تجريبها بالتنظير النقدي والتأصيل لهذا الشعر فنالت المنصب الرسمي كمبتكرة لهذا الشعر القائم على الوزن بالتفعيلة الواحدة وجوازاتها، واستبدال السطر الشعري بالبيت ذي المصراعين (الصدر والعجز)، إنما يغفل الناس عمَّن كتبوا شعر التفعيلة قبل نازك الملائكة لطغيان دورها الفاعل والنشط على من سواها من أصحاب الأدوار المحدودة.

كانت هذه الملاحظة مهمة لأنها توضِّح للمهتم أنها تنطبق على كل المدارس الشعرية. وفي موضوعنا هنا فجماعة شعر هم أصحاب المنصب والدور في المضي بقصيدة إلى الأمام (من بودلير إلى عصرهم إلى عصرنا!) بالتنظير والأداة الإعلامية والدعاية لهذا النمط الشعري الجديد. ولكن ينبغي ألا نسلِّم للرسمي تمامًا ونغفل عن الحركات التي سبقت جماعة شعر لشعراء ونقاد تداولوا الشعر المنثور في أدوار محدودة.

ومن هذه الحركات، أو التحركات، المتململة من العروض، أو المتأثرة بالثقافة الغربية، كانت جماعة الديوان في مصر، وأنمذج بشاعرين منها كسرا قيد العروض، هما: عبد الرحمن شكري (1886- 1958)، وعبد القادر المازني (1889- 1949). ولاحظ أنهما معاصران للتجاني، حتى نلجُّ إلى نقده لهذه النماذج الشعرية ونحن على تصوُّر يسهل علينا مهمة المقاربة.

 يسجِّل التجاني تقديره لهذه المحاولات المبكِّرة بقوله في نفس مقالتنا المرجعية: «ليس في هذا الأمر ما يعدُّ شرًّا ولا شيء يمنع أن نأخذ به وندعو إليه إذا كنَّا نعرف كيف نستثمره».

ويضع مقارنة بين قصيدة النثر الغربية ومثيلتها العربية يخلص منها إلى برود وضعف تجارب المجددين العرب.. لنقف عند مقارنته:

– قال عن الغرب: «كان الغرب أول صعيد درجت فيه هذه العاصفة، وكان الذين أثاروها إذ ذاك هم المسيطرون على الجو الأدبي لا محالة بعد أن قدَّروا مدى ما يفيده الأدب من وراء تلك الدعوة الجريئة».

– بينما قال عن العرب: «لم يوفق كثير منهم حتى الساعة أن ينتجوا ما يبرِّر خروجهم وتمرُّدهم على الأوزان، ونحن نلمح فيما يقحمه بعض الشباب في أدبنا العربي من هذا اللون برودًا وضعفًا في الغالب».

ويفسِّر ضعف قصيدة النثر العربية بما ظلَّ يكرِّره عن الشعور: «ولو كان تمرُّد أولئك على العروض وما يلحق به صادرًا عن حاجة وشعور بتلك الحاجة إلى ما أعقبوا من تمرُّد لأفاد الأدب العربي أهم ما ينقصه من فيوض الإلهام».

ارتكاز التجاني في التعامل مع الوزن العروضي هو على الشعور كما تقدَّم، فهو يضع الشعور في موضع السلطان بالنسبة للأوزان. ولا يمانع الانصراف عن الوزن إذا حكم الشعور بذلك حسب الإلهام الذي ينتج ما لا يجد وزنًا عروضيًّا يستقرُّ فيه. ويسجِّل موقفه هذا بصراحة مطلقة: «لا شيء يمنع أن نأخذ به – اللا وزن – إذا كنَّا نعرف كيف نستثمره فنلجأ إليه في الوقت الذي يتعذَّر علينا أن نصوِّر إلهامنا وأوهامنا إلا فيه. في الوقت الذي لا تنهض فيه البحور والأنهار بشيء مما تفرضه عليها من طيوف الإلهامات الدقيقة أو الغامضة».

 ولا يتوقَّف التجاني على إجازته للتجربة الغربية وتسليمه بأنها مُدرِكة لما تفعل، وحكمه على المجددين العرب بالتقليد الباهت من طرف خفي مما نتج منه شعر اتسم بالركاكة. بل يمضي لإيجاد معادلة وزنية للمنثور نستعرضها فيما يلي.

يشير التجاني لوزن لا علاقة له بأوزان الخليل الفراهيدي، وزن معنوي خفيّ، ويعدُّه من أقوى أركان الشعر: «في الشعر روح من الموسيقى المعنوية التي نخطئ كثيرًا فنحسبها من بعض ما تثيره الألحان الظاهرة، وهذا الروح الخفيُّ من أقوى أركان الشعر… وقد يصعب على القارئ فهم ما نسميه بالروح المعنوية والوزن الخفيّ، ولكنه حقيقة لا خيال فيها أبدًا. موجود لا وراء اللفظ ولكن وراء حقيقة المعنى. فليتعمَّق القارئ في فهم حقائق الشعر، يجد أن وراء كل وزن معنىً، ووراء كل معنى وزنًا آخر».

بمعنى أن: [وزن عروضي >> معنى >> وزن معنوي].

وما يهمنا هنا هو هذا الوزن الخفيّ (لأنه وزن قصيدة النثر اللا لفظي/ المعنوي) الذي قطع التجاني بتحقّقه لدى شعراء الغرب وبعدم تحقُّقه – حتى الساعة – لدى المجدِّدين من شعراء العرب. ولم يكن دوران التجاني حول الإلهام وإنتاجاته التي لا تجد أوزانًا تستقرّ فيها على مقاعد العروض إلا بحثًا عن الوزن الخفيّ القائم وراء المعنى القائم بدوره وراء الوزن العروضي اللفظي.

إذن يرى التجاني أن الوزن الخفيّ أقوى أركان الشعر لا الوزن العروضي، وأن أهمية الوزن العروضي في تحقيقه لذلك الوزن الخفيّ وراء المعنى. وفي حالة المنتَج المنثور المُلهَم الذي تفسده محاولة نظمه لفظيًّا ووزنه استكراهًا فلا يرى مانعًا في عدّه شعرًا إذا حقَّق وزنًا خفيًّا معنويًّا ماتعًا. ويتمظهر هذا في نقده لأشعار جماعة الديوان: «لم ينتجوا ما يبرِّر خروجهم وتمرُّدهم على الأوزان»، وهذه إشارة واضحة لخلو كتاباتهم من الوزن الخفيّ أقوى أركان الشعر في تقديره، وحسب تعبيره: «لا شيء يمنع أن نأخذ به إذا كنَّا نعرف كيف نستثمره»، فهو يتساءل عن الكيفية لتقنين الشعر المنثور بما تواضع عليه من وزن خفيّ خارج عن قواعد الفراهيدي لتعلقه بالمعنى لا باللفظ.

(يُتبع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد