على سبيل التمهيد للقيد العروضي عند شاعرنا يلحُّ تساؤل أول عن علاقة التجاني شاعر الكلاسيك بقصيدة النثر التي لم يشهد عصرها؛ وينبغي طرحه – التساؤل لا شاعرنا – بإضاءة: هو تساؤل على بداهته فالمغالطة تكمن في النظر من زاوية شعر التجاني، أما التجاني فهو شاعر وناقد أيضًا، كتب في الصحافة بكل الصحف التي كانت تصدر في عصره بالسودان في شتى المجالات، ويهمنا منها النقد حصرًا.

التجاني لم يرفض قيد العروض على الشعر وإنما وضع له فلسفة خاصة، وخاصة جدًّا، وغير مسبوقة، متقدِّمة.. هي عين (مفهوم قصيدة النثر). لنقف عند تقديم د. محمد عبد الحي لكتاب (الآثار النثرية الكاملة للتجاني يوسف بشير)، وهو أضمومة لما تيسّر جمعه من مقالات التجاني بالصحف والمجلات، والكلام لعبد الحي: «إن شعر الشاعر ونثره نهجان لنشاط روحي وعصبي وذهني واحد ومتصل، وإن الشاعر كلٌ متكامل في سلوكه وتفكيره وتعبيره دون أن نذكر أن سويعات الهزة الشعرية قد تتخطى كل ما يستنّه النثر الناقد من قوانين وأعراف وتتفوَّق عليها، وإن كل قصيدة جديدة هي إضاءة روحية وفكرية جديدة».

أقترح ألا يكون للتساؤل السابق وجود؛ لأن الحفر في هذه الجدلية يتمّ في (مقالاته) وليس في (شعره).

التساؤل الثاني وهو بديهي أيضًا؛ لماذا لم يشر أحد من النقاد إلى استبصار التجاني لمفهوم قصيدة النقد. والإجابة من شقين:

– لأن: الناقد التقليدي الكلاسيكي يهتم بالآثار الشعرية ويصبّ عليها اهتمامه ويشتغل بأدواته النقدية حسب نمط ذي مسار خطيٍّ مستقيم. لذا لن نجد أثرًا لاكتراثه بنثر التجاني إلا من باب التغطية ومحاولات فهم الشاعر. ولن يتعدّى ذلك الموقف إلى البحث والتحليل.

– ولأن: «الشاعر ربما ينقض ما كان أثبته ذات يوم، فيخرج بذلك بعض مؤرخي الأدب وقد يخيب أمر بعض حوارييه فيه، وقد يتأتى له حواريون وقراء جدد، ولا يفعل ذلك غالبًا إلا الشاعر المجدِّد المكتشِف، وغالبًا ما يثبت النقاد والقراء المتنبهون لذلك الشاعر نوعًا من الحبكة العميقة أو الوحدة الباطنة التي تنصهر فيها مظاهر التعدّد والتشاكُّل»، من تقديم د. عبد الحي للآثار النثرية الكاملة. ولاحظ أن هذا الناقد والشاعر الكبير قد وقع في أخطاء جليّة ظاهرة، إذ يعتبر أن أضمومة المقالات التي كتب تقديمًا لها هي تأريخ أدبي (!). وفي موضع آخر يوضّح أنه يرى فيما كتبه التجاني في النقد محاولات منه للدفاع عن شعره. وتبقى إشارة عبد الحي للتجاني على أنه شاعر مجدِّد مكتشف يحتاج لنقاد وقراء يصلون للوحدة الباطنة بين شعره ونثره إشارة جيدة.. لأن عبد الحي استغرق في تقديمه كقارئ يحاول أن يفهم ما الذي يرمي إليه التجاني في نثره، وأظن أن وصفه للكتاب بالتاريخ الأدبي وتمريره لأيدي أخرى (الحواريين) موقف يصرِّح ضمنًا بانغلاق مفاهيم التجاني عن ذهن عبد الحي. فهو يدرك عبقرية التجاني ويدور حول كلامه موقنًا بأهميته ولا يلمس مقاصده، لذا أكَّد على وحدة باطنة ما بين شعر ونثر التجاني ضاعت في لجّة المظاهر المتعدّدة المتشاكلة في نثر التجاني معترفًا بقصوره عن المضي إلى أبعد من ذلك الحد. أما بقية مقدمته كعادة نقاد الكلاسيك منكبّة على شعر التجاني رغم أن تقديمه مخصّص لكتاب الآثار النثرية لا لديوان التجاني.

وقس على ذلك: هنري رياض، أحمد أمين، د. عبد المجيد عابدين، محمد محمد علي، عز الدين الأمين، محمد فهمي، د. محمد إبراهيم الشوش، أنس داؤود… إلخ، وغيرهم ممن اهتموا بدراسة آثار التجاني لم يتعدُّوا العتبة التي وقف عندها أستاذ الأدب المقارن والأدب الإنجليزي بجامعة الخرطوم، ورائد التجديد في الشعر بمدرسة الغابة والصحراء د. محمد عبد الحي.

وقد ذكرت هذه الأسماء إجابة عن التساؤل الثالث الذي لم أطرحه بعد: لماذا لم تُدرس آثار التجاني النثرية. والاقتباس السابق عن د. عبد الحي يكفي للاستدلال على أن النقاد نظروا إلى نثر التجاني على أنه يضارع (انجذاباته) الصوفية التي كان يسجّلها في قصائده، نعم تناولوا نثره بجديّة كعَلم لا يمكن إهمال شيء من آثاره ولا يمتنع أنها لم تكن كافية بصورة دراسية وبحثية أعمق.

قد يبدو كلامي السابق مجازفة لقداسة الأسماء التي ذكرتها، ولكني أتابع بشواهد تنفي عن الطرح الإرسال والإطلاق. أما ما كتبه النقاد عن آثار التجاني النثرية فلا يعدو تصنيفه أن يكون (تأريخًا نقديًّا) ننظر إليه في المتحف الأدبي ونقول: هكذا كان يكتب نقاد الكلاسيك. أو كما قال عبد الحي في تقديمه: «هذا جهد أردنا به أن ننقذ جانبًا من تراث هذا الشاعر لأهميته في فهمنا لشعره»، فالمقالات النقدية للتجاني ما هي إلا حواشي لشرح شعره في أنظار هؤلاء النقاد كما تعبِّر التحفة النقدية السابقة.

وبعد هذا التمهيد ألِجُ لاستعراض القيد العروضي عند التجاني، الطرف الثاني من جدليتنا، فيما يلي..

بدايةً؛ أقتبس من المقال السابق عن الهيكل الشعوري لأهمية استصحابه: «نجد أن لدينا هيكلًا يؤسسه الشاعر الكلاسيكي وهو البنية الشكلانية للقصيدة التي يجري قاربها على أحد البحور الشعرية الستة عشر، وهيكل آخر يتأسس لدى المتلقي وهو يمثِّل الآثار الشعرية المبهمة في مغاور النفس».

وسأعيد التذكير بالمفهومين المفتاحين الذين أشرت إليهما في المقال السابق لضرورة ذلك أيضًا:

– أن التجاني استشرف ميلاد قصيدة النثر انطلاقًا من الشعور.

– أن الشعور هو المولِّد للبحور الفراهيدية (مفهوم قصيدة النثر).

(بمعنى أن الشعور يبتكر النمط الشعري المناسب لعصره، أي أنه أنتج البحور في عصر ما وكانت مناسبة لذلك العصر السالف، ولكنها استحالت قيدًا للشعور في العصر الحديث وبالتالي يمكنه التحرّر منها وإنتاج غيرها من الأنماط).. نمضي قدمًا، وما بين الأقواس تفسير لكلام التجاني في مقاله (مجرى التفكير في الشعر)* وأقتبس منه موضع الشاهد:

«لا محالة أن الشعر فن سحري في كل شيء منه، فأوزانه ومقاييسه ضرب من هذا السحر، وتعدُّد هذه الأوزان والمقاييس دليل على أنه يستقبل النفوس في أوتارها ويتعرَّضها من مناحيه بما فيه من شبه بها حتى تقبل عليه مسحورة به مأخوذة بموسيقاه التي تنصّب على الحواس فتغمرها بنوع من البهجة والنعيم المسحور، وفي تعدُّد هذه الأوزان تعدُّد لصور منازع النفس وإحصاء جزئي لأوتارها التي لا يمكن بوجه ما أن تكون محصورة في دائرة من الأوزان قد يقولون عنها ستة عشر أو سبعة عشر أو مائة أو ما إلى ذلك مما يستوجب الحكم على أشياء أبعد ما تكون عن الحصر، ونحن إذا استطعنا أن نلمّ بمنازع النفوس وأن نستقرئ كل ما لها من لفتات سريعة واتجاهات غامضة دقيقة وما تذخر به هذه العوالم الواسعة من عواصف وأهواء معقّدة وملتوية هنالك يسوغ لنا أن نضع حدًّا لأوزان الشعر».

إن القارئ لكلام التجاني يدرك احتجاجه على نظام الفراهيدي بصورة لا لبس فيها، وقد يقول قائل إن التجاني يطمع في كسر حاجز البحور (المحدودة) ويدعو لابتكار بحور جديدة باستقراء منازع النفوس، أو البحث لإيجاد ما يمكن أن يطربها بالإضافة لتلك الدوائر بتعبير آخر. وفي الحقيقة ليس الأمر كذلك. إذ إنه يرى أن الحكم بكذا من البحور للشعر هو مجازفة ما لم يتوفّر شرط، والكلام له: «أن نعرف كم عند هذه النفوس من خلجات، وأن نستعرضها في كل ما لها من ميول وبواعث غاية في الدقة، وأن ندرس هذه البواعث على قسميها الداخلي منها والخارجي دراسة قيمة تنير أمام أعيننا ظلام العواطف المتوالية المتداخلة».

وهذا جزم صريح باستحالة حصر البحور، لا يطالب التجاني بالعمل على زيادة البحور بل يوجِّه الأنظار إلى الهيكل الشعوري المُشار إليه آنفًا، ويقرِّر أن دراسته تستلزم دراسة النفس، لنتعمق أكثر في التحليل:

يقول عن الشاعر: «أفلم يحسّ يومًا أن لديه أوتارًا أخرى لم تُحرك بعد حتى لقد أوشك أن ينالها الصدأ لأنه لم يحاول نقرها في كل ما أثر وأنتج، نعم إن بعض الشعراء لأشدُّ إيمانًا بأن ثمة ألحانا جديدة وأوتارًا جديدة لنوع من التفكير جديد»، ويشير إلى دور الفكر الشاعر في هذا الجانب.

ويقول عن المتلقي: «أما القارئ المستهلك فهو أكبر عون لنا على دراسة قسم المؤثرات الخارجية فلعله ما يزال يؤمن أنه لا يتبلّد لسماع ألحان أخرى غير ما طُبع عليه بل لعله أشدّ وأرسخ إيمانًا من الشاعر نفسه بأن لديه نزوعًا إلى أكثر مما سمع.. واستعدادًا إلى تلقي غير ما اعتاد أن يخلد إليه إذ ما يزال يلمس في دخيلة وجوده جوانب هادئة ظامئة لطول ما مرّ عليها من جفاف وصمت».

وهنا تتجلَّى عبقرية التجاني ولمحاته الثاقبة في ثنائية دراسته للقيد العروضي من ناحيتي الشاعر والمتلقي. الشعر عند التجاني أسباب وعلل يبحث الشاعر عن طريقها من جهة والمتلقي من الجهة الأخرى عن إشباعات نفسية بواسطة تلك الأسباب والعلل (الشعر).

ويقطع بموقف واضح من العروض: «كل ذلك يثبت أن هذه النفوس الواسعة العميقة محال أن يفرض عليها [العروض] أوزانًا ستة عشر كأنما قُدر أن ليس هناك عاطفة أخرى تقبل أو تثير ما أثاره غيرها من العواطف الحيّة، ولكن لا يبعد أن تكون هذه الأوزان التي تواطأ عليها علماء الشعر هي أوضح الأوتار وأحياها وإلا فقد تتأثر بغيرها مما يجِدُّ ويُصنع مما لا حصر لأوزانه أبدًا وهي مع ذلك صور متدفقة على قوالب شبيهة بها في النفس، وما يكون ذلك إلا دليلًا على أن هذا الفن المسحور متعدِّد بقدر ما عندنا من عواطف وأعصاب وبقدر ما في عواطفنا وأعصابنا من تراكيب، ولهذه التراكيب من صور وما لهذه الصور من وجوه».

يعيد التجاني بناء مفهوم الشعر على أسس جديدة، فالأوزان هي صور تتدفق على قوالب شبيهة بها في النفس وهي ستة عشر وزنًا. إذا تخيّلنا الفكرة كما هي في ذهن التجاني فهناك داخل نفسي الشاعر والمتلقي مساحة هائلة فارغة من الأوزان (لم تغطِّها العروض). وحتى أخلص إلى مقاربة تُلخِّص رؤية التجاني للأوزان/ العروض/ البحور.. إلخ من بضاعة الفراهيدي:

القصيدة مجموعة أفكار (أليست كذلك؟)، يرى التجاني أن الوزن هو (فكرة) مُسخّرة لخدمة هذه الأفكار: «الوزن وإن كان جزءًا من الفكرة فإن له أثره الخاص فيها لا من حيث التوقيع والصياغة والانسجام. بل لأنه يحدُّ منها ويضعها في جو ملائم لها متجمِّعة فيه متكيّفة به تحت قوانين لا بدَّ من مراعاتها. ومن هنا كان للتفكير الشعري مجرى خاص. من هنا كان الشعر سحريًّا أكثر ما يكون حاجة إلى تفكير سحري خاص به أيضًا يحمل أثر العاطفة التي أوجدت الوزن وهيأت المزهر للعازف».

خلاصة هذا الجزء: مقال التجاني (مجرى التفكير في الشعر) أصَّل فيه للوزن على أنه فكرة أوجدها الشعور للتعبير الشعري، وأن هذا الشعور سواء المتعلِّق بالشاعر أو المتلقي لم يصل بالنفس إلى درجة الإشباع أمام هذه الأوزان العروضية إلا على أوجه محصورة بعدد الأوزان التي أوجدها الشعور في عصر سالف، وأن نفس المتلقي (تحديدًا) يمكن ألا تتفاعل مع الشعر بحكم الملل من حالة الركود والاعتياد التي فرضتها قواعد العروض.

إلى هنا انتهى عرض طرفي الجدلية (الوهم الشعري) و(القيد العروضي) وأتناهى إلى محاولات التجاني للبحث عن طرق لكسر القفص العروضي الخانق. ومع أنه في خضم تلك المحاولات أصاب مفهوم قصيدة النثر بدقة فقد وصفه باللغز الجميل!

(يُتبع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد