تُعرف العدالة الشعرية أو معاقبة المخطئ في الأساطير الإغريقية باصطلاح النيميسس «nemesis» أي عقاب الآلهة. يشير هذا الاصطلاح إلى أن العدالة الشعرية تمثل النظام العام لهذا الكون، التسلسل المنطقي للأحداث، السبب وآثاره، الخطيئة والعقاب. ورغم ما يطال هذه العدالة الشعرية من سهام النقد اللاذع بالطوباوية واللاواقعية، يظل هذا المفهوم محل جدل واسع جراء انتزاعه من السياق الأدبي واختزاله في حتمية سطحية تدفع بانتصار المظلوم وانهزام الظالم. أسلط الضوء في هذا المقال على أهمية فهم العدالة الشعرية في سياق النشاطية الأدبية أو ما يعرف في الإنجليزية بعبارة «literary activism»، فهذه العدالة لا تنتصر لفرد دون آخر بل يسوقها الكاتب لأجل رسم صورة متكاملة عن واقع معاش تتحقق فيه العدالة للمجتمع وليس بالضرورة لكل فرد على حدة، واقع ربما لا ينسجم مع مثالية بعض القراء ولكنه ينقل رسالة الكاتب الرامية لإحداث التغيير على أرض الواقع.

يخط الكاتب صورًا متصاعدة من الظلم الذي يحبس الأنفاس ويستوجب الاستنفار ثم يسيّر دفة الأحداث في اتجاه العدالة الشعرية التي ربما ترطب جوانح بعض القلقين وتثير حنق البعض الآخر. فعلى سبيل المثال، تتجسد العدالة الشعرية في معظم أحداث رائعة شكسبير «الملك لير» التي أجاد فيها اللعب على مختلف أوتار هذه العدالة: تدس ابنته الكبرى «جونوريل» السم لأختها الوسطى «ريجان» ثم تقدم على الانتحار بعد افتضاح أمرها. بالمثل، يتجاهل «جلوسستر» إخلاص وولاء ابنه «إدجر» وينحاز لابنه غير الشرعي «أدموند» فيكون جزاؤه العمى ثم الموت فلا يستطع رؤية أو تمييز «إدجر» الذي يهب لنجدة أبيه الذي أدرك عظم جرمه وسعى جاهدًا للتكفير عنه بإنقاذ الملك لير.

أما «كورنول»، زوج «ريجان»، فيجسد الكبرياء والاضطهاد والطغيان فيكون مصيره الازدراء والقتل على يد خادم يدعى «أوسوالد». وما يثير الدهشة أن «كورديليا»، ابنة الملك الصغرى المخلصة، تجد نفسها مرغمة من أبيها على مغادرة القصر تاركة وراءها ثروتها ووطنها، ثم تموت في صمت بين يديه لدى عودتها لنصرته. وما يدعو للعجب كذلك أن شكسبير لا يعاقب دوق ألباني، زوج «جونوريل»، بل يتوجه ملكًا على بريطانيا بعد انعطافه عن مسارات الشر.

بيت القصيد هنا أن العدالة الشعرية لا تثير فقط قضية مآلات خياراتنا الخاطئة التي تكون عادة مأساوية، بل تشير أيضًا إلى مسألة التعامل مع مسارات الخير والشر. في كتابه «سوناتا لتشرين»، يعرج الكاتب أسامة أنور عكاشة على معضلة الترابط الأزلي بين الخيارات والعدالة فيقول على لسان ممثل العدالة الشعرية مخاطبًا الظالم: «أمامك خياران لا ثالث لهما فإما أن تتقبل عواقب خطئك بهدوء وتعتذر للرجل… أو أن تصر على سلامة موقفك وتدخل رحلة التحقيقات». إذن غالبًا ما يسقط المرء ضحية لخطاياه وأيًا كان خياراته للنجاة ستكون مأساوية لا شك في ذلك، لكن تظل الخيارات مفتوحة للجاني لتصحيح مساره قبل وصول قطار العدالة الشعرية إلى محطته الأخيرة. هي إذن نظام أخلاقي لا يعاقب الجاني عقابًا فوريًا بل يتيح له العديد من الفرص لتصحيح أخطائه، وهي أداة حتمية يستعين بها الكاتب للحفاظ على النزر اليسير من نظام العدل في مخيلة القارئ لئلا تختل معايير حكمه وتقييمه للواقع.

اللافت هنا أن العدالة الشعرية عادة ما تعترضها بعض الأحداث التي تقتضي الخضوع لمصير مجهول وحكمة خفية لا تدركها الأبصار وتعجز العقول عن تفسيرها. يتجلى هذا المجهول في مقتل «كورديليا» في نهاية المسرحية. تناول بمزيد من التفصيل هذه القضية ويليام إيان ميلر، أستاذ القانون بجامعة ميتشجان، في كتابه «القصاص وثقافات الشرف: العين بالعين» وترجمه إلى العربية الدكتور محمد عناني حيث يؤرخ الكتاب لنظرية العدالة والقصاص وتاريخها وتطبيقاتها الحالية. وبالعودة إلى مسرحية الملك لير، نجد أن العدالة الشعرية تتجلى بأبهى صورها في مقتل الأختين «ريجان» و«جونوريل». فبعدما تسببتا في الكثير من الآلام والمتاعب لمن حولهما يضن شكسبير بهما على الموت فتمران بمخاض عسير من الفضائح والصراعات التي تنتهي بمقتلهما.

إن العدالة الشعرية في مسرحية الملك لير تدفعنا للحديث باقتضاب عن مسرحية «Tourista» أو «إجازة في معسكر» من إخراج «لوك برنال». فرغم سلبية كل من أفراد المجتمع في البداية، يسعى الجميع في النهاية إلى الانتقام من المجرم والبحث عن طفل مفقود في رحلة نحو تحقيق العدالة. «في النهاية نجد الجميع قد تحركوا في اتجاه المعسكر الثاني أو المكان المجاور الذي يقيم فيه هذا الشخص أو القاتل الذي ظنوا أنه هو قاتل الطفل». يتجهون صوب المعسكر الثاني للبحث عن الطفل وأيضًا للأخذ بالثأر منه لما يرتكبه في حق الصغار أو، بعبارة أخرى، في حق المجتمع بصورة عامة.

يمكن القول إذن إن العدالة الشعرية هي خيارات متتابعة للخير والشر ترتبط بالمجتمع أكثر من ارتباطها بالفرد، ومن ثم يحرص الأدباء على تكريسها في ذهن القارئ على نحو يحاكي ما يجري على أرض الواقع. صوت العدالة الشعرية هو صوت الكاتب الذي يستحث به القراء على أن يقيموا وزنًا لهذه العدالة في حساباتهم وخياراتهم وأنها سلاح بتار يستأصل شأفة الظلم وإن تطاولت السنون، غير أن هذه العدالة يتعذر إدراكها عن طريق النظر إلى مصائر معظم الشخصيات وتجاهل مآلات البعض الآخر. إن فهم العدالة الشعرية يتطلب قراءة متعمقة في الحالات التي تغرد خارج السرب، قراءة أطلق عليها الفيلسوف الماركسي لويس ألتوسير اصطلاح «symptomatic reading» أو قراءة الأعراض دون التعجل بإصدار الأحكام بناء على مجمل الأحداث. ترفض هذه القراءة منطق افتراض صحة الجسم دون الاكتراث بما يظهره من أعراض قد تدل على وجود بعض العلل.

العدالة الشعرية ليست بالضرورة يوتوبيا، وليس الواقع دومًا ديستوبيا، هي مجرد سلسلة من المسارات المتلاحقة التي تؤول إلى إقامة العدل في النهاية للبعض دون الكل. وصحف التاريخ تشهد على الواقعية النسبية لهذه العدالة الشعرية من لدن آدم وحتى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد