«فلنفكر في العَثَّةٍ التي تدور حول شعلة نارٍ ليلاً. في ما يتعلق بالفن، ربما يجدر بنا اعتبار أنفسنا عثًا نجح باختراع شعلةِ نارٍ ليستمتع بالدوران حولها. ولئن كانت الفنون تقوم مقام شعلة النار في حالتنا، فالسؤال الداروِنيُّ الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا نبذل كل هذا الجهد الكبير في صناعتها، ولماذا نستمتع بالدوران حول شعلتنا هذه أصلاً؟»
– الأستطيقي الألماني إيكهارت فولاند

إذا كانت نظرية التطور تفسر ظهور الإنسان نفسه ككائن مادي، فلماذا لا يمكنها تفسير الظواهر السلوكية التي تفرد بها عن غيره من الحيوانات؟ حسنًا، مهما تكن الدهشة التي تنتابنا للوهلة الأولى من ملاحظة سلوكياتٍ فائقة التعقيد كالشعر والفن عمومًا، إلا أن هذه الظواهر ليست خارجةً عن ميدان التطور أبدًا، فمثلاً، لا يرى إدوارد أوزبورن ويلسون فرقًا من حيث المبدأ بين طائرٍ يغرد على مسامع الإناث في موسم التزاوج، وبين شاعرٍ يلقي قصيدته على أترابه في مضارب قبيلته (لنتذكر أن الشعر كان في غالبيته الساحقة صنعةً رجاليةً بامتياز رغم الاستثناءات القليلة)، بعبارةٍ أخرى، من منظورٍ بيولوجي، لا يختلف نظم الشعر عن استعراض الطاووس لجمال ذيله، أو استعراض ذكور الضفادع لنقيقها في المستنقعات.

على قدر إجادتهم، حظي الشعراء عبر التاريخ بمنزلة اجتماعية بما يستتبع ذلك من شهرة وجاذبية ومنافع مادية (بالمصطلح التطوري، ميزاتٍ بقائية وتكاثرية). إذا اختزلنا الشعر إلى هيكله البيولوجي السلوكي كمباراةٍ اجتماعية social game، فهو منافسةٌ في استعراض الذكاء اللغوي العالي، يكافئ المجتمعُ المتميزين به بالمنافع المذكورة أعلاه.
أحيل القارئ هنا إلى نظرية الألعاب الاجتماعية، والتي تعتبر المنطق الرياضي الذي يحكم السلوك البشري من وجهة نظرٍ تطورية.
في غير البشر من الحيوانات، يستخدم الأفراد مواهبهم الطبيعية في حدود الألعاب الاجتماعية المتوفرة طبيعيًا في مجتمعاتهم، وقد يلجأ بعض الأفراد إلى الغش في قواعد اللعبة المتوفرة مع حرصٍ شديد على إظهار التزامهم بتلك القواعد. لكن هناك انقلابًا راديكاليًا حدث في حالة البشر: القشرة المخية الرهيبة.

بظهور القشرة المخية وامتلاك القدرة على التفكير المعقد، لم يعد التنافس بين البشر مقتصرًا على التفوق في الألعاب الموجودة مسبقًا والغش في قواعدها فحسب، بل ظهرت إمكانية قيام بعض البشر بالتلاعب بعقول الآخرين لتغيير قواعد اللعبة أو حتى اختراع ألعاب غير موجودةٍ يرى فيها مخترعها فرصةً للتفوق الذي لم يستطع تحقيقه ضمن الألعاب المتوفرة.
ما علاقة قصيدة النثر بكل هذا؟ في بدايةِ القرن العشرين، كان أمر الشعر عسيرًا ومقتصرًا على قلةٍ من الناس لديهم الاستعدادات البيولوجية لإجادة الشعر كلعبةٍ اجتماعية: أعني صناعة هذا التوازن الدقيق الساحر بين المعنى من جهة، والموسيقى والبحر والقافية من جهةٍ أخرى، وهو محور الجمال الحسي في الشعر عند المتلقي.

ولأن بعض الناس لم يعجبهم اللعب بهذه القواعد، عمدوا ببساطةٍ إلى تغيير قواعد اللعبة، بدايةً مع بدر شاكر السياب وشعر التفعيلة، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، اذ انحدر شعر التفعيلة وصولاً إلى قصيدة النثر، حيث اختفت بظهورها نهائيًا قواعد اللعبة التقليدية، فلم يعد مطلوبًا مراعاة بحرٍ ولا قافيةٍ ولا وزن، بل ولا معنىً أحياناً. لسائلٍ أن يتساءل هنا: ولماذا قبل بعض الناسُ بتغيير قواعد اللعبة؟ والإجابة في نقطتين:
أولاً: إن تسهيل قواعد اللعبة سيسمح لمن يوافق من المتلقين أن يدخل التنافس بدوره، ويجرب حظه في التفوق، رغم أن الأخير غير مضمون، إلا أنه أفضل من أن يبقى محرومًا من الدخول في اللعبة بقواعدها الأصلية، بمعنى أن كل من وافق وبارك رأى في قواعد اللعبة الجديدة فرصةً لنفسه.
ثانياً: حملة الدعاية التي تضخمت تدريجيًا لصالح هذه الأنواع الجديدة، فقد ترافق ذك مع تخلص البلاد العربية من الاحتلال العثماني واستيراد القيم الحداثية الأوربية، وكان الشعر الحر يُسَوَّق على إنه أحد مكونات باقة القيم التي ستجعلنا نلحق بالأمم المتقدمة.

تندرج هذه الممارسة، أعني إقناع الجماهير بالقبول بتغيير قواعد لعبةٍ اجتماعية ما، بلى تندرج تحت ما يسمى بالهندسة الاجتماعية، والتي تلعب اليوم دورًا متصاعدًا في ميادين مختلفة كسابقات ملكة جمال العالم وغيرها الكثير. فإن قلت أن هذا النص النثري أو ذاكَ خالٍ من المعنى، رُميتَ بالسطحية وانعدام العمق والتخلف… إلخ. لماذا كان الناس وما زالوا يتذوقون الشعر التقليدي القديم إذن؟ وهل على المتلقي أن يحصل على الدكتوراه في التأويل من السوربون قبل أن يقرأ قصيدة نثر؟
نعم، هناك نصوص نثرية غاية في الجمال (بقدر ما تحمله من أناقة اللفظ ولطافة المعنى) لكنها نثر وليست شعرًا، وتبقى أقل درجة على مقياس الإجادة والإبداع من الشعر التقليدي، ذلك إنها محرومة من العناصر الجمالية الحسية (البحر، القافية، الموسيقى… إلخ).

أختم بهذا النص لكارل يونگ:
«رغم ما يبدو عليه من أنه يعالج مسائل جمالية، إلا أن الفن الحديث يمارس في الواقع عملية تربية نفسية (سيكولوجية) على العامة من خلال تدمير وتحطيم رؤاهم الجمالية المسبقة عما هو جميل الشكل عميق المحتوى. فيستبدل لذةَ المنتَج الفني بتجريداتٍ باردةٍ للطبيعة الأكثر ذاتانية subjectivity، صاكًا الباب بوجه البهجة الرومانسية البريئة للحواس. هكذا أشاحت الروحُ الرسالية للفن بوجهها بعيدًا عن العلاقة الموضوعية القديمة لتتجه صوب الغياهب المظلمة الفوضوية للذاتانية (…) إننا نعيش اليوم في عصر انسلاخ الآلهة القديمة..عصر انقلاب المبادئ الأساسية…»(ترجمتي بتصرفٍ يسير من كتاب The Undiscovered Self، وهو ترجمة إنگليزية للأصل الألماني).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد