“الجمال قد ينقذ العالم”، يقول ديستوفيسكي، وأقول أنا إن الشعر العربي قد ينقذ متيمًا يائسًا من قدرة عبارته في التغزّل، وأيضًا قد ينقذ كاتبًا في معرض قولهِ برأيٍ يحتاج مقولةً لتسند الزير، وتلخص الحكاية في براعة مكثفة، تنضح بالحكمة البالغة، كما تنضح بالجمال.

 

(1)
“الماء في ناظري والنار في كبدي .. إن شئت فاغترفي أو شئت فاقتبسي”

 

لسبب أو لآخر، توقفت مرارًا أمام بيت “الشريف الرضيّ” هذا، وحين خانتني العبارة أن أقدّم لخطيبتي قربانًا للقربى، استعرت هذا البيت الجزيل، فكأنني به أقول في وصفٍ موجزٍ معجز، إنني “ليس كمثلي رجل”، جمعتُ عنصرين من عناصر الحياة في جسدي؛ “الماء” و “النار”، وعرّفتهما لأشير إلى أنّ الماء كل الماء في عيني، والنار كل النار في كبدي، مؤكدًا أن بابي لها دائمًا مفتوح، فلـ”تغترف” من فيض الماء في عيني، أو “تقتبس” من فيض النار في كبدي. ورغم أنني أفخر بنفسي هنا، إلا أنني، كلّي، لها، فلتغترف أو تقتبس وقتما شاءت.

 

(2)
كان هذا غرض “الفخر” في البيت أوصله لنا “الرضيّ”، لكنه لم يكتفِ به فقط، فبلاغته أوصلت لنا غرضًا آخر من أغراض الشعر العربي؛ غرض الحزن ورثاء الذات، فكأنه بالقول: أنا يا حبيبتي الماء كل الماء في عينيّ دمعٌ للفراق/ البعد أو غضبتك عليّ، والنار كل النار في كبدي حُرقةً على الفراق/ البعد أو غضبتك عليّ، فتعالي حبيبتي وتذوقي منهما حتى تحسّي بعذابي.

هذا فيما يخص بيت “الشريف الرضي”، ولقد أحسن إذ قال ما قال، وهذا فيما يخص الحب والغزل، ورثاء الذات والحَزَن. لكن هل يستطيع أحد بأي لغة أن يلخص رؤيته للكون، وفلسفته في الحياة في سطرين اثنين، أم يستطيع أن يلخص ما قد تحويه تجارب إن كتبت لحوتها مئات الكتب في سطرين؟ فقط باللغة العربية يستطيع شاعرٌ نافذ البصيرة، أن يفعل ذلك.

 

(3)
“يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصي .. فالنّاس ما بين معمومٍ ومخصوص
لا شــــــيء فــــــي هـــــذه الـــدنـــيــــــا يــــــحـــــاط بـــه .. إلا إحــــــاطــــــةَ مـــــــنــــــقــــــوصٍ بــــمــــنـقـوص”

في هذين البيتين لـ”محمود الوراق” حكمة حكيم راسخٍ في العلم، أو أنه راسخ في تطويع العبارة، اتسعت له الرؤية فطوّع لها العبارة.

 

فـ”الوراق” هنا يقول إن العلم بحار، وليس بحرًا واحدًا، إشارةً لتعدد أنواع وأصناف العلوم. وكما يشير البيت الثاني، فهي ليست فقط من حيث التصنيفات الفنية، أي “رياضيات، أو فلك، أو كيمياء…إلخ”، ولكن أيضًا من حيث أنواع المتحصلين لها تنقسم العلوم؛ فثمة العوام وثمّة الخواص، وعليهما تنقسم أصناف العلوم إلى أنواع. وكأننا بهذا المعنى أمام الإمام الأكبر “محيي الدين بن عربي” وهو يقول إن الناس على أربعٍ: عامة وخاصةٍ وخاصة الخاصة، وخصوص خاصة الخاصة.

 

(4)
في تواضع العارف الذي شهد نشوء عظمته، يحدّث “الوراق” نفسه، فيقول: “خوضي بحار العلم”، واعبريها جميعًا، بل “غوصي” بها، واطلعي يا نفس على الظاهر والباطن من العلوم، سيبقى ويزال الناس ما بين عوام وخواص، وسيبقى ويزال كل العلوم بظاهرها وباطنها منقسمة عليهم في أنواع، ما يعني انقسام الأفهام. ولقد حصر كل العلوم عندما عرّف العلم، واستخدم كلمة “خوضي” دون أن يلحقها بحرف الجر “في”، لأن المعنى إذ ذاك قد يشير إلى التيه في بحار العلم، لكنه قصد تحديدًا الإحاطة بهذه العلوم.

 

(5)
البيت الثاني يشرح “الوراق” فيه ويلخص في ذات الوقت، وجهة نظره في الحياة، ورؤيته للكون، وذلك حين يقول لنفسه: يا نفس إن ما تعتقدينه من الإحاطة هو أصلًا بطلان، ليس فقط لفكرة العوام والخواص، ولكن أيضًا لأن ما نعتقد في إحاطته هو ناقص في ذاته، أحاط به ناقص في ذاته، وهو أنتِ يا نفسُ. وكأنه بقول الإمام “أبو الحسن الشاذلي”: “إن الدنيا حقيرةٌ حقيرٌ ما فيها”، فلا أنتِ يا نفس ستحيطين، ولا في الدنيا ما يحاط به؛ لأن الإحاطة فعل كمال، وأنت والدنيا نواقص.

 

(6)
حقًا إن من البيانِ لسحرا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد