لحداثة تلك الظاهرة العالمية الشاملة التي هبّت على مجالات عديدة وأحدثت ثورة فكرية، حرصت على حريّة الفرد وتجسيد مبادئ الإنسان الكوني، التي نادى بها فلاسفة عصر الأنوار، ومعلوم أن الساحة الأدبية هي واحدة من تلك الساحات التي شهدت رونق الحداثة وآليات التجديد والتطوير في منظومتها الواسعة. والنقد الأدبي عاملها بحساسيّة عالية وتفاعل معها بتناقضاتها وتغيراتها من أجل الإسهام بحركة حداثية تساهم في توسيع دائرة الأدب من حيث أنه الوجه الثقافي وخاصة الشعر.

لقد انطلقت المناهج النقدية لترصد هذه الحركة بكل تجلياتها السلبيّة والإيجابية في ظل الزخم الوافر لزمن الشعر المعاصر.

فهل يستعيد الشعر وهجه وازدهاره وهو الذي عدّه العرب ديوانهم وتلك النواة الصلبة التي تدور في فلكها الإبداع وخصوصًا السرد؟

يعتبر الشعر منهجًا أصيلًا، نشأت على وقعه ثقافة الأمة العربية بوصفه نصّ النصوص العربية الأكثر توازنًا وتجريدًا وتعميرًا للدلالات اللغويّة، ومن إرهاصات الحداثة وتجلياتها في الأدب، الاقتراب بين لغة الشعر والنثر وذلك التشابك بين المكنونات البنائيّة في النص الواحد.

يذكر الصحافي د.عمر عبد العزيز أن الشعر يختزل تلك المسافة المُتعاظمة بين الأنا الرائية والحقائق الموضوعية، كما يتنكّب مشقّة التعبير عن خفايا النفس واعتمالاتها.

والعديد من الشعراء التحفوا بالحداثة الشعرية وانصهروا فيها فانعكست في نصوصهم وصورهم الإبداعية ومظاهرها الفنية، وكان لهم بصمات ظاهرة وصيت لا ينكره أحد في حركة الشعر العربي المعاصر في المشرق والمغرب.

ونذكر على سبيل المثال خليل مطران، وأبا القاسم الشابي، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة.

وقد نال خليل مطران في حياته عدة ألقاب كلقب شاعر القطرين أي (مصر ولبنان)، ورغم وصفه بالشاعر الرومانسي الوجداني، إلا أنه كان شاعر التجديد وذاك الحرّ المُتمرّد في الوقت عينه، ومن طينة الجيل الثائر الذي لا يستكين للظلم ويأبي التراجع عن مسيرة الكفاح. فيقول في قصيدته الجميلة «مقاطعة»:

إنمّا الصالح يبقى صالحًا آخر الدهر

ويبقى الشرّ شرًّا

كسرّوا الأقلام هل تكسيرها

يمنع الأيدي أن تنقش صخرًا

وإذا تطرقنا إلى الشابي، فإنما نتحدث عن مرحلة من الشعر التونسي الحديث، وعن مرحلة عدّ فيها النقاد رائدها الأول والأوحد، ليظلّ ذلك الرمز الذي لا يمكن التشكيك في شاعريته، ولا وطنيته أبدًا. مما جعله يتربع على عرش مملكة الشعر، وبنيت حوله هالة من الفخامة مكنته من أن يكون نصّه: إذا الشعب يومًا أراد الحياة. أحد رموز الحركة الوطنية.

الشعر في زمن التجديد

إن الإتجاهات والمذاهب الأدبية لا تنبت من فراغ، بل هي حلقات مُتتابعة تساهم في نشأتها عوامل ثقافية، وقد تلاحقت اتجاهات الشعر الحديث، وكانت نشأة كل اتجاه منها ردّ فعل الاتجاه الذي سبقه.

وقد راهن ثُلة من الشعراء على حركة التجديد مثل عفيفي مطر، وحسن طلب، وأدونيس، في ظل واقع عربي تغيرت فيه كلّ المستجدات في حقول الاجتماع والسياسية والثقافة؛ ممّا أحدث تغييرًا جذريًا في مضمون الشعر العربي، حيث كان جُلّ همّهم أن يغدو الشعر مواكبًا في تقدمه للحركة الفكرية الانفتاحية.

وبدأت قصيدة النثر مع تنظيرات أدونيس ابتداءً من سنة 1960، وبداية الوعي بهذا الجنس الأدبي القادم بقوّة، وكان ذلك بتأسيس مجلة «شعر» بالاشتراك مع يوسف الخال، وأنسي الحاج، هذا الشاعر والصحافي الذي يعود له الفضل في إثراء المحتوى الفكري والشعري العربي، خصوصًا مع إصدار ديوانه الأول «لن»  الذي شكّل تجميعًا للأعمال الشعرية العربية النثرية، والتي كانت مقدمته أكثر تمرّدًا وثورة بعدما صاغها على شاكلة بيان شعري «مانيفستو»، أرسى من خلاله الأسس النظريّة والجماليّة لقصيدة النثر، باعتبارها أفقًا منفتحًا على الشعر الخالص بعيدًا عن البحور والقوافي، والتي عليها أن تحقق (ثلاثة شروط) الإيجاز والتوهّج والمجانية.

وظلّ أنسي الحاج وفيًا لهاته الشروط في كل نصوصه.

يقول في إحدى قصائده:

في ظلام النهاية

جلست أكتب البداية

في دم الأرض غمست ريشة السماء

وأقول للموت الداخل

ادخل لن تجد أحدًا هنا

تقول عنه الأديبة منى متسي «من وقعت بين يديه قصائدك، وخاصة ديوان «لن» يعرف أنك ذلك الإنسان الثائر الذي لم يخضع ولم ينكسر.

ومن بين مجموعاته الشعرية الست، تُعدّ «الرسولة بشعرها الطويل حتى اليناببع» الصادرة سنة 1975، هي الأشد تعبيرًا عن وحدة الرؤيا الشعرية وصميمها، ونصّه «سفر تكوين»  يصطفي فيه أنسي الحاج المرأة، ويرقى بها إلى مصاف رسولي، ويجعلها عنوانًا للحرية والكينونة والوجود.

ويُعتبر محمود درويش أحد الشعراء الفلسطينين البارزين والمُجددّدين في الشعر العربي المعاصر، وهذا ظهر جليًّا في الاستعارات والرموز والإشارات التاريخية.

أما رفيق دربه الشاعر السوري الكردي سليم بركات، والذي تأثر به درويش إلى حد كبير، فهو يُعد شاعرًا فريدًا بين أقرانه، ومُتفوق بغزارة وخصوصيّة في اشتقاق درب شعري صعب ووعر، وصُنّف كأحد أفضل الشعراء العرب الحداثيين في القرن العشرين، وكما يقول عنه الشاعر والناقد اللبناني بول يوسف شاوول: إنه شاعر على فرادة خاصة، أو على غير تصنيف، لا بالحديث في سياق ثرثرات الحداثة، ولا بالقديم في سياق استثمار الماضي ولا لغوي على طريق البلاغيين.

لقد كان يشحن كل كلمة بطاقة تخيليّة قادرة على رسم عوالم وعلاقات بين المعاني والصور، كمن يخترع مُخيّلة تعبيرية وقاموسيّة جديدة تمامًا.

ويكتب بركات في مديح النساء أنشودة فاتنة في حبّهن فيقول في مقطع جميل من قصيدته الغزلية الكبرى:

أحبهن مسالمات

وفيّات للندم قبل الحروب

وبعد الحروب

أحبهن يتأخرن عن حفلهنّ

وأحبهن أكثر إن غِبن عن حفلهنّ

هي الأمكنة

لم تزل دائخة مذ هززنها.

وحسب بركات، أن تقول شعرًا فكأنما تقوم بتفجير اللغة (لا بتدميرها بل كمن يُفجرّ الينابيع) وهو بحاجة دائمًا إلى كسر نمطية القصيدة الحديثة وتطوير لغة النثر نفسها حتى يتجاوز الإرث المُتداول للشعر الحديث.

والملاحظ أن الذات الشاعرة أصبحت معيار التجربة الشعرية ودليل بناء عقد جديد بين الشاعر واللغة، وبين الذاكرة والحياة. كما أوجد الواقع عند الشاعر العربي تساؤلات جذرية وتطلعات نحو التغيير في بنية القصيدة يجعلها قادرة على استيعاب هذا الواقع والتعبير عن مضموناته فصار الشعر صوت قائله ومُعبّرًا عن دواخله من هواجس وأحلام وكوابيس أيضًا، ولم يعد صوتًا واضحًا وجليًّا للتعبير عن قضايا المجتمع، وذلك كان بتأثّر من شعر الحداثة الغربيّة. وفي هذا السياق يقول الفيلسوف هيدغر: إن فترة الغياب التّام للمعنى، هي الفترة التي يتّم فيها التحقق الكامل لماهيّة العصور الحديثة.

وحسب النقاد أسهم في غياب الدلالة بين طيات الشعر الحديث، انكفاء الشاعر على ذاته وغلبة البُعد الفلسفي والصّوفي والميتافيزيقي على كثير من هذه الأشعار.

الشيء الذي أجبر المُتلقي أن يخلق لنفسه إشاراته التي تقوده إلى ركائز الدلالة وإلى المفاتيح التي تُيّسر له النفاذ وإلى سبر أغوار المعنى.

وخُلاصة القول إن الشّعر، يظلّ الغواية الأولى في الأدب العربي ومن خلاله يعبُر الكثير لأجناس أخرى تُشكّل اتسّاعا في مدى الرؤية وانفساحًا في القول كالقصّة والمسرح والرواية. وبالتالي يجعلنا نقترب من تخوم التنوّع اللامُتناهي في القيم التعبيرية والدلاليّة. وتظلّ المُشاركات العربية والمُسابقات تؤطر للزمن الإبداعي للشعر وتعميرًا للواجهة الثقافية.

فهل يُمكن اعتباره التعبير الأقصى عن وجدان الأمة العربيّة، خصوصًا في خضم الثورات التي عرفتها، والخرائب التي استحوذت على خارطتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد