في كل شاعر يكمن المؤرخ وفي كل مؤرخ يتوارى الشاعر، فالتاريخ ليس لونًا من ألوان الأدب فحسب، بل هو وثيق العلاقة بأسمى ضروب الأدب وهو الشعر، والواقع أن حاضرنا النثري في كل لحظة من اللحظات يتساقط ويهوي في ليل الماضي الشعري.

فالشعر كثيرًا ما يختلط بالتاريخ في آداب الأمم المختلفة، وكذلك التاريخ كثيرًا ما يمتزج بالشعر، ويتجلى ذلك في تاريخ الأدب العربي في صورة واضحة؛ فالكثير مما نعلمه عن حوادث عرب الجاهلية وأخبارها مستحدثة من الشعر، والكثير من حوادث العصر الأموي والعصر العباسي لا نستطيع أن نقترب من تصورها وفهم حقيقتها دون الاستعانة بالشعر.

وقد اشتهر كبار المؤرخين قديمًا وحديثًا في مختلف الآداب على مدار تلك القرون بقوة الآداء، وعلو البيان، وسَخَّروا اللغة أداة طيعة لرواية الحوادث وتصوير الأشخاص ووصف المواقف والمشاهد.

والتاريخ من الموضوعات التي شغلت جزءًا كبيرًا في آداب اللغة العربية، فالمؤرخون في تاريخ الأدب العربي كثيرون، والمؤلفات التاريخية كثيرة موفورة برغم ضياع الكثير منها، وقد كان الشعر عند العرب طريقة لتسجيل التاريخ، والمؤرخون المتقدمون يذكرون الشعر لبيان بعض الحوادث الهامة وتوضيح ما غمض من أخبارها.

والشعر العربي بطبيعته لا يُمكِّن الناظم من عرض المعلومات المفصلة في يسر وسهولة، ويكتفي الشاعر في العادة بذكر الأمكنة والأشخاص الذين برزوا في الحوادث، لذلك كان من اللازم الاستعانة بالتاريخ للاستزادة من معرفة هذه الحوادث التى يشير إليها الشعراء إشارات سريعة موجزة، ولكنها إشارات تستوجب التعليق والشرح والتفصيل لتوضيحها وجلاء غامضها. ومعظم الأشعار التاريخية التي تشير إلى الحروب التي وقعت لا تطيل السرد، ولا تُفَصِّل الحوادث تفصيلًا يُغني عن الاعتماد على المؤرخين، ولذلك كان لا بد من الاستعانة بالتاريخ على فهم الشعر وتكوين صورة واضحة عن الحوادث التي يشير إليها.

إن ما كان من الشعراء من المؤرخين هم من الندرة بحيث يمكن إغفالهم، فيمكن أن نذكر في هذا المجال الشاعر أبو قاسم الفردوسي الفارسي (935–1020 ميلادية) الذي نظم التاريخ الإيراني في كتابه الشاهنامة، وجاءت قصائده بالكثير من المعاني البديعة، أما الموضوعات الأخرى التي عالجها الشعراء من التاريخ فيمكن وضعها تحت أبواب المدح والهجاء والرثاء، ولا يمكن اعتبارها من موضوعات التاريخ المباشرة، ولكنها – على أية حال – تلقي الضوء على بعض زوايا التاريخ.

وقد سادت المنظومات والأراجيز في بعض الفترات في الأندلس بصفة خاصة، ويُذكَر في هذا المجال أرجوزة* “رقم الحلل في نظم الدول” لابن الخطيب الأندلسي (ت:776هـ)، وأيضًا منظومة “ذات الشفا في سيرة المصطفى ومن بعد من الخلفا” للإمام ابن الجزري (ت:833هـ)، وغير ذلك من المنظومات والأراجيز التاريخية.

إن الشعر يساعد المؤرخ على فهم إنسان العصر الذي يدرسه بإنجازاته وإحباطاته، بقيمه وأخلاقه، فالشعر التاريخي يضيف مزيدًا من التفصيلات الدقيقة للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في أي عصر نهتم بدراسته.

إن كتابة التاريخ شعرًا لهو روح إبداعية تجديدية لكتابة التاريخ، والتاريخ بقوة واقعه وأحداثه التي تخاطب العقل حينما تتحد مع عاطفة الشعر ينتج عنها تجسيد الحدث التاريخي المقروء ليكون واقعًا مرئيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ, شعر

المصادر

عبد العزيز عبد الغني: التاريخ (تأريخه وتفسيره وكتابته).
علي أدهم: بعض مؤرخي الإسلام.
قاسم عبده قاسم: بين الأدب والتاريخ.
* أرجوزة : قصيدة من بحر الرَّجَز، والجمع: أراجيزُ وأُرجوزات.
عرض التعليقات
تحميل المزيد