في تلك السلسلة التي نحاول فيها استعراض بعض الأنماط المختلفة للحركة الأدبية الشبابية في مصرالتي ظهرت عقب ثورة يناير، في الجزء الأول من السلسلة تكلمنا عن رواية عطارد التي كانت مثالا على ما أسميناه التيار الأسود الموغل في الكآبة والعنف في النموذج الثاني سنختار صنفا أدبيا يعد الأكثر والأسهل انتشارا في تدوين وتسجيل التاريخ وهو (الشعر) والحقيقة أنه كان من أكثر الأصناف الأدبية عقب الثورة التي ظهر فيها نماذج شبابية مميزة للغاية وقد نذكر منها علي سبيل المثال فقط : أحمد الراوي وجلال البحيري وعمرو حسن وأسماء أخرى كثيرة يختلف عددها طبقا للاختيار الشخصي، ولكن قد يبدو في رأيي أن أبرزهم ممن أحدثوا تأثيرا ملموسا لفترة زمنية معقولة : نبيل عبد الحميد الذي أصدر ثلاثة دواوين في ثلاث سنوات متتالية وهم على التوالي: قانون الدنيا الساخر، أهرام الجمعة وتعاويذ (النفس والناس والهوى)، بالإضافة إلى مشاركاته المتعددة مع إسلام جاويش في عديد الكتب والأشعار، وقد يستحق نبيل عبد الحميد مقالا كاملا للبحث في النماذج الشعرية المختلفة التي قام بها ولكنني آثرت الكتابة تفصيلا عن نموذج آخر قد يكون هو الأبرز في رأيي.

ثورة يناير التي كتبت الشعر بيدها!

“ودفتر أسامي الهاموش و الغلابة..

بيكبــر ولا توفّيــهوش الكتابة…

و تسمن و تتخن كروش الديابة..

بلحم اللي ماتوا ف آخر الطابور.. “

لعل الهتاف والغناء وإلقاء الشعر في ميدان التحرير وكل الميادين كان من أسهل الطرق التي قربت جموع المشاركين من بعضهم البعض في الثورة، لا ينسى ثائر أبدا الهتافات المميزة أو الفرق الغنائية أو المطربين الشباب الذين ظلوا يغنون للملايين بالمجان طوال تلك الأيام أما الشاعر الأبرز الذي يمكننا اعتبار صعوده كان الأكثر حظا ليظهر في نفس وقت الثورة تماما فهو (مصطفي إبراهيم ) الشاعر العامي مواليد محافظة الجيزة في عام 1986 والذي درس هندسة الطيران، ولكنه أبدع في التحليق _ بالكلمات البسيطة المباشرة ذات التأثير النفسي القوي_ في سماء كتابة الشعر ليصدر له ديوانين غاية في الإحساس الأدبي وهما: ويسترن يونيون والمانيفستو، وكذلك تعاونه اللافت مع محمد محسن وغالية بن علي و مريم صالح وفرقة أإسكندريلا وغيرهم، بالإضافة إلى العديد من قصائده التي سجلها بصوته وتم نشرها علي الإنترنت.

وحتى الآن قد يبقى سؤال المقال الذي لم تتضح أجابته بعد : لماذا يعد مصطفي إبراهيم دون عن غيره هو النموذج الأمثل لشعراء الثورة الشباب ؟

مصطفي كان من أوائل المشاركين في الثورة من يومها الأول وتم اعتقاله في السجن العسكري بمعسكر السلام، والصدفة العجيبة هي من جعلت ديوانه الأول (ويسترن يونيون فرع الهرم ) يصدر في يناير 2011 متزامنا مع الثورة وكأنها البدايات المشتركة!

هذا الديوان الذي انتشرت قصائده ذات الطابع النفسي البسيط بسرعة بين الشباب _ كحمي الإيمان بالثورة _ بسبب صوره الدقيقة التي وصفت تجارب عاطفية أو شخصية مرت علي معظم هذا الجيل، ولعل معظم الشباب حفظوا بعض من تلك القصائد بصورة مباشرة عن طريق قراءة الديوان أو عن طريق الإستماع إليها من أشخاص آخرين واشهرهم: كانت حتفرق في الوداع، بدون سبب واضح، احسبلي سرعة الأيام، قالولي زمان، حصر مصر، دفتر أسامي الهاموش، ع الغارب، شئ يشبه سلك السماعة وغيرها من القصائد العامية سهلة التذكر والتي وجد فيها الجيل المعنى المفقود بدون لغة معقدة

” ثم فجأة الكل يتعب

ثم إن الجيش حيقتل

ثم إحنا حمارنا يغلب

ثم جيم الدومينو يقفل

ثم مصر عاوزة زقة

ثم ناس ما تقولش لأه

يركبوا ع الثورة تانى

ثم نخسر…..ثم نكسب “

الفراسة أو نبوءة الشعراء هي تلك المصطلحات التي أعتاد الناس استخدامها في عصور الشعر القديم لوصف ذكاء الشاعر في التوقع ؛ تلك الصفات التي امتلكها مصطفي بالفطرة وجعلته يكتب نصوصا غاية في القوة والجرأة منتقدا مسارات الثورة أو عديد التيارات التي أنتمي إليها وخاصة التيار الإسلامي كما يبدو في بعض كتاباته، والحق أنه لزم دوما جانب الثورة التي يبدو أنه فقد فيها من الأحباب والأصحاب ما يكفيه كما حدث مع معظم الثوار هذا الديوان الثاني الذي قد تعتبر بعض نصوصه كدستور مصغر للثورة قد أطلق عليه (مانيفستو ) وهي كلمة تعني بيان عام بأهداف الحركة أو التنظيم قد احتوى علي قصائد قد نحتاج إليها في المستقبل لمعرفة بعض أحوال الثورة، وتظل نصوص : دين الجدعنة، مع الثورة ذلك افضل جدا، دولة الثوار، دعاء الدبابة، إني رايت اليوم ومانيفستو كنصوص شاهدة علي تلك المرحلة الثورية، هذا بالإضافة إلي : تفرانيل وقواعد الدايرة السبع والمولوية التي ستظل نصوصا تشكل بدايات البحث النفسي عن المعنى!

هل أخطأ الجميع؟ الإنسحاب ظاهرة عامة!

في الفترة التي أعقبت 30 يونيو ؛ وبعد انتهائها بكل التبعات السياسية والعامة وحتى النقاشات الطويلة التي خاضت في الفكرة الساذجة ثورة شعبية أم انقلاب عسكري ؛ انحسرت الأمواج في النهاية عن أطراف عديدة مخذولة ملقاة بلا قيمة علي الشاطئ وخاصة بالطبع شباب الثورة الذين اكتشفوا أنهم كانوا الأطهر الذين لم يشاركوا في مسرحيات الخذلان والفشل العام، وهو ما أصاب فعلا بعديد الأفراد من هذا الجيل بالصمت وتجنب الحديث عن الأحلام المفقودة والالتجاء للاكتئاب والمراقبة من بعيد وهو ما قد يبدو أن مصطفي قد فعله بالتوقف لفترات متباعدة عن نشر نصوص جديدة، قبل أن يعيد نشر نص قوي جدا أعاد للجميع أفكارا تتعلق بعبثية المنطق السابق بمعرفتنا لمن يدير المشهد، ومهاجما العالم الظالم الذي لم يدخر جهدا لتحريك الجميع كعرائس الماريونت إخضاعه لنظام أكبر وأبشع من الأنظمة الفردية للدول وهي القصيدة التي لن يكفي أبدا أن تقرأها بل ستحتاج لسماعها كاملة بصوته لتدرك معنى إضافي مختلف عن القراءة!

” «العالم بيتطوّر» يمشي اسم مسرحية.. أما الحقيقة المضحكة المُبكيّة.. العصاية اللي بتوقّف وبتدوّر.. بتمشي.. من إيد صحاب الجنة.. لصباع صحاب البندقية.. لجيوب صحاب البنك… دم الغلابة بيتحرق ف التانك… شامم ريحتهم وانتا بتفوّل… الغرب هيموّل.. إعمار بيار النفط.. لضمان زيادة منسوبات الشفط… وضمان بقائك عبد متسوّل… “.

يتبقى السؤال الذي قد يحمل بصيص الأمل وهو ما قد دفعني لكتابة هذا المقال أصلا: هل يعني عودة مصطفي إبراهيم وبعض من تيار الثورة للكتابة في الشهور الماضية كبارقة أمل أنه جيل لن يختار الموت بالدفن حيا؟ وأنه ما زال ما يمكننا صنع ضجيج مسموع وسط صمت المتخاذلين والمحبطين؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد