سورة الشعراء سورة مكية؛ حيث تتوفر بها إحدى السمات التي تميز السور المكية، ألا وهي عرض قصص الأمم السابقة، وبيان أن السنة الطبيعية هي أن يرفض البشر الهداية إلى الصواب، وأنهم يقفون في وجهها حتى يتنزل عليهم العقاب الإلهي، مع بيان الأسباب الدافعة إلى رفض هذه الهداية. ولكن، هناك آيتان محوريتان تتكرران في السورة في أكثر من موضع؛ حيث تأتيان بعد كل قصة من القصص في السورة، التي عادة ما تبدأ بذكر الرسول الذي أرسله الله إلى أمة ما، وتنتهي بالعقاب الذي أنزله الله على هذه الأمة المكذبة، وهاتان الآيتان هما (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِين، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم).

إن تدبر هاتين الآيتين يدفع بكثير من الأسئلة إلى عقولنا، فلماذا يأتي الله بذكر الرحمة بعد آيات وصفت الأمم الكافرة ومعاندتهم للحق حتى نزول العذاب عليهم؟ ومادام الله يعلم أن الآيات (وهي الأدلة والبراهين) لن تغير قناعة الكفر عند الأكثرية فلماذا يأتي بها؟ ولماذا لا يأتي بأدلة نهائية يقينية لا تجعل للناس فرصة للإنكار؟ ومادام الله يعلم أن الأكثرية لن يكونوا مؤمنين فلماذا خلقهم؟ أليس هو بذلك يخلق مخلوقات ضعيفة لا قدرة لها ثم يدفعها دفعًا للعذاب؟ ولعل الإجابة على مثل هذه الأسئلة وغيرها كامنة مبثوثة في ثنايا السورة، وهذه محاولة للإجابة عليها.

إن السورة في بدايتها تحذر رسول الله من شعور نفسي يجتاحه في بداية الدعوة، وهذا الشعور يعذبه ويجعله محترق الفؤاد دومًا، فهو يشعر بالحزن الشديد على عدم إيمان قومه، ولحرصه على اتباعهم الحق فإن حزنه عليهم يتضاعف حتى إن الله يحذره من الإفراط في هذا الحزن لأنه سيهلكه إذا استمر فيه، فهكذا هو رسول الله حريص على الناس وعلى إيمانهم بالحق حتى يسعدوا بهذا الصراط المستقيم، ولذلك يقول الله تعالى له (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِين)، ثم يخبره الله في آية عظيمة أنه لا يريد للناس أن يؤمنوا إيمان المنكسر أمام الدليل فيقول له (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين)، وفي هذا إجابة على أحد الأسئلة المثارة حول هذه السورة والتي ذكرتها بالأعلى، فالله لا يريد منا إيمان العاجز المنكسر الذي وصلته الأدلة اليقينية النهائية فلم يجد مفرًا من الإيمان، وإنما هو يريد إيمان المقتنع الذي يلمس الصدق قلبه فيميل إلى ما يراه صوابًا وحقـًّا حتى إن كان كفرًا.

ولكن هذا لم يجب بعد على سؤال هام، مادام الله يعلم أن الأكثرية لن يكونوا مؤمنين فلماذا خلقهم؟ أليس هو بذلك يخلق مخلوقات ضعيفة لا قدرة لها ثم يدفعها دفعًا للعذاب؟ فهو لم يعطهم الأدلة الدامغة اليقينية النهائية، وترك لهم حرية الاختيار، واكتفى بأدلة غير يقينية يمكن تفسيرها بعيدًا عن وجود إله، كتفسير شق البحر باعتباره سحرًا مثلاً، أو بانتهاء أثر المعجزة بمجرد انتهائها، إذ كيف نؤمن الآن بالله عندما نسمع أن البحر تم شقّه في عصر ما، إن الأمر الآن لا يعدو مجرد حكاية نتناقلها بدون أثر على قلوبنا وإيماننا.

ولعلنا نجد الإجابة على هذا السؤال في الآيتين المحوريتين اللتين تم ذكرهما في السابق إذ يقول تعالى (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِين، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم) فلقد بعث الله للقوم نبيًّا، وأيده بأدلة ما لإقناع قومه بقضية الإيمان، وجاءت هذه الأدلة على أنواع مختلفة بين نبي وآخر كما سنرى بعد قليل، فكانت النتيجة أن الأكثرية لم تستجب لهذه الأدلة، فصبر هذا النبي والذين معه حتى نزل العذاب على قومه بطوفان أو صيحة أو رياح أو غيرها من الوسائل، ولكن في نهاية القصة، ومع نزول العذاب يخبرنا الله أنه عزيز رحيم، فما موضع الرحمة هنا؟ وهل من الرحمة إنزال العذاب على قوم جاءتهم أدلة غير يقينية يخبرنا عنها سبحانه وتعالى أنها لن تقنع الأكثرية الذين سيظلون على موقفهم ولن يؤمنوا؟

إن هذا تحديدًا هو المبرر لذكر اسم الله الرحيم بعد آيات نزول العذاب على الرافضين لهذه الأدلة، لأن الله لا يريد إيمان الخضوع وإلا أنزل آية من السماء تخضع لها رقاب الناس، وإنما يريد إيمان الصادق الذي يتبع نور الحق الذي ينبع في قلبه جرّاء هذه الأدلة، وهو لا يريد إيمان العاقل الذي يستطيع التحليل والاستنباط للوصول إلى النتيجة وإلا يكون – حاشاه – قد ظلم ضعيف العقل والعلم الذي لا يجيد التحليل والاستنباط، لذلك فإن الرحمة هنا تعني أن الله قد أنزل آياته ودلائله، فآمن بها من لمست قلبه وبعثت فيه النور، وهؤلاء نجوا من عذاب الدنيا، ثم هي رحمة نزلت على هؤلاء الكافرين حيث نزل بهم العذاب الدنيوي فمنهم من لمست هذه الأدلة قلبه، وتوافقت مع فطرته، ورغم ذلك أبى واستكبر فحق عليه العذاب، ومنهم من لم تؤثر فيه هذه الآيات والدلائل، ولم ير فيها دليلاً يدفعه للإيمان بالله فصدق مع قلبه، ولم يؤمن، وهؤلاء فالله أدرى بهم، ولذلك فهو يخبرنا أنه رحيم رغم ما أنزل من عذاب، فالرحمة هنا خاصة بهؤلاء الذين لم يستطيعوا الوصول إلى الدليل، ولم يتمكنوا من فهمه.

 

ولقد خاطب الله البشر بكافة أنواع الأدلة، ومنها ما ذكره في هذه السورة المباركة، وهي:

١- الأدلة المادية: حيث شق البحر لموسى وقومه، ولكن فرعون وجنوده لم يتورعوا في الاستمرار في غيّهم، واخترقوا البحر المتروك رهوًا، ليغرقوا فيه، وبالرغم من أن الدليل مادي بازغ أمام عيونهم إلا أنهم رفضوه، فمنهم من رفضه علوًا واستكبارًا، ومنهم من لم يفقهه، وحارت به الظنون، وهؤلاء فالله أعلم بهم، وأقدر على حسابهم.

٢- الأدلة العقلية: وهي أقل وضوحًا من الأدلة المادية؛ حيث تعتمد على الفهم والتحليل والاستنباط، وتتطلب عقلاً نابهًا، كما تتطلب خروجًا على الموروث والتقليد المعتاد، وفي كل ذلك صعوبات جمّة لا يستطيع كل إنسان أن يتجاوزها، وهي تتمثل في قصة النبي إبراهيم وقومه إذ خاطبهم بالعقل، ونبههم إلى لا معقولية عبادة حجر لا يضر ولا ينفع، وبالتأكيد هنا سيواجه من يستعلي ويستكبر، وأيضًا سيجد من لا يفهم ومن لا يستطيع الخروج على الموروث حيث آبائهم العابدين لهذه الأحجار، وهؤلاء فالله أعلم بهم، وأقدر على حسابهم.

٣- الأدلة الفطرية: ويمكن تسميتها بالأدلة الأخلاقية؛ حيث استنكار الممارسات الخارجة على حدود الفطرة والأخلاق، ولعل هذه الأدلة هي أقوى الأدلة التي يخاطب بها الإنسان لأنها تمس الفطرة الكامنة في أعماق الإنسان، وتتوافق مع هذا النظام الذي زرعه الله بداخل النفس الإنسانية، فيجد الإنسان في داخله قبولاً لمثل هذه الأدلة، وذلك مثل حديث الأنبياء مع الكافرين حديثـًا فطريًّا، كرفض نوح طرد المؤمنين الفقراء الضعفاء فيما لا يتوافق مع الفطرة، وحديث لوط مع قومه لرفض أفعالهم الجنسية الخارجة عن مقتضى الفطرة، وحديث نبي الله شعيب مع قومه لرفض السرقة التي هي عمل لا يتوافق مع فطرة الإنسان، ورغم قوة هذا الدليل إلا أننا سنجد صنفـًا مستكبرًا استمرأ الخروج على الفطرة مكتفيًا بالمتعة أوالمكسب المادي المترتب على ذلك، ولكننا سنجد أيضًا هؤلاء الذين تشوهت عندهم الفطرة بسبب البيئة المحيطة بهم وتربيتهم غير الفطرية التي تجعلهم غير قادرين على استقبال هذه الأدلة الفطرية لتشوش حدث في فطرتهم، وهؤلاء فالله أعلم بهم، وأقدر على حسابهم.

إن الصدق هو الإيمان، فمن صدق مع فطرته وعقله وحواسه نال الإيمان في قلبه، ولكن الفطرة والعقل والحواس عرضة للتشويش والخداع، لذلك فإن الله قادر على الفصل بين هذا الذي لم يصدق مع نفسه استكبارًا وعلوًّا، أو لتحقيق مصلحة قريبة أو إشباع شهوة ملحة أو حبًّا في متعة زائلة، وبين هذا الذي تشوشت فطرته وعقله وحواسه، فلم يستطع الوصول للحق فصدق مع ما وقر في نفسه واتبعه، وبهذا نستطيع أن نوقن أن الله رغم كثرة الذين لا يؤمنون بآياته إلا (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

خواطر, قرآن
عرض التعليقات
تحميل المزيد