قد تبدي ظواهر مجريات الأحداث أن كأس التطبيع التي تسابقت على التناول منها في العام الحالي فقط، أربع دول عربية، فيها قدر كبير من المفاجأة. لكن هذا الرأي المأخوذ بالمفاجأة الظاهرة، ربما يكون بحاجة إلى شيء من إعادة النظر.

لم تكن إعلانات التطبيع المتلاحقة بين الاحتلال الصهيوني وكل من الإمارات والبحرين والسودان والمغرب بعيدة عن التوقعات، أو على الأقل كان يفترض أن لا تكون بعيدة. فكل الدلائل والقرائن كانت تشير إلى انخراط الغالبية الساحقة من الدول العربية – كل بطريقته – في نوع من الاتصالات السرية مع العدو. ولا يدور الحديث هنا عن فترة السنوات القليلة الماضية. ولا حتى عندما طرحت السعودية عام 2002 «مبادرة» ولي عهدها آنذاك، عبد الله بن عبد العزيز، والتي اصبحت بمقتضى قرار قمة بيروت «مبادرة السلام العربية» والتي قايضت تطبيعًا عربيًّا كاملًا للعلاقات مع العدو بانسحابه من الأراضي العربية التي احتلها عام 1967. إن جذور تلك الاتصالات تعود إلى ما هو قبل ذلك بكثير. وربما حتى إلى ما هو سابق لتلك التي قام بها ملك الأردن عبد الله بن الحسين مع قادة الكيان الصهيوني أوائل عام 1948، عندما كان يفترض بالجيش الأردني ومعه بقية الجيوش العربية أنها على أعتاب عمل عسكري يمنع قيام ذلك الكيان وفق قرار التقسيم المعروف.

إلا أنه وقبل «مبادرة» السادات الشهيرة بزيارة القدس المحتلة عام 1977، فإن ما سبق من اتصالات كان يجري بنطاق من السرية جرت عليه العادة حتى ذلك الوقت، وكان يستدعي أحيانًا أن يجري بخطة محكمة من التمويه والسير على خطوط متعرجة ومتفرعة في الوقت نفسه؛ لتشتيت انتباه من يتوقع أنه قد يحاول استراق النظر ومتابعة حركة كهذه يشعر إزاءها بنوع من الارتياب والشك، وكان يجري على مستوى إرسال مندوب عن هذه الدولة العربية أو تلك للقاء نظيره الصهيوني، وإذا ما كان هناك ما ينذر بخطر داهم، فلم يكن هناك مانع من اختصار الوقت والمسافات والذهاب مباشرة إلى كيان العدو نفسه، كالذي فعله ملك الأردن، الحسين بن طلال، عندما قاد بنفسه وبسرية أيضًا، طائرة خاصة هبطت في فلسطين المحتلة مسرعًا نحو قادة العدو ليحذرهم من قرب وقوع عمل عسكري تدبر له مصر وسوريا في أراضيهما المحتلة – سيناء والجولان – عشية أكتوبر (تشرين الأول) 1973. أي إن جوهر فتح قنوات الاتصال مع العدو كان موجودًا، لكنه وبعد زيارة السادات المذكورة انتقل إلى مرحلة جديدة، وهي مرحلة رفع ذلك الغطاء الفضفاض والشفاف الذي كانت تتستر به تلك الاتصالات.

وإذا كان العذر أحيانًا أقبح من الذنب كما هو مأثور، فإن الأعذار التي تتكرر في كل مرة ينساق فيها طرف عربي في إعلان تطبيعه مع العدو، لا تكون قبيحة فحسب، بل إنها ترقى إلى مستوى الكارثة.

لا شك أن هناك فرقًا شاسعًا بين التصرف بحنكة سياسية بشكل فعلي، وبين أن يوحي المرء لنفسه بأنه يتصرف بتلك الحنكة السياسية. إن الأطراف العربية بدءًا بمصر في عهد السادات، وانتهاء بآخر إعلانات التطبيع التي صدرت من المغرب، جميعها تصر على أن ما تفعله هو حنكة سياسية وقرار ينمُّ عن تفكير واقعي يتلاءم مع روح العصر ومتطلباته. وهي بذلك تقع في جهل مركب لا يفرق بين الثوابت والمتغيرات. فالمعروف أن الثوابت هي مجموعة من المبادئ الأساسية التي تحكم قواعد أي تصرف إنساني، لكن المتغيرات هي الوسيلة التي تفرضها الظروف ومجريات الأحداث دون التنازل عن تلك الثوابت، أو صرف النظر بلمح البصر عن تحقيقها.

إن جميع الأقطار العربية – بلا استثناء – قد أسست جزءًا غير قليل من مشروعيتها السياسية بعضها تجاه بعض، من وحي مناصرتها للقضية الفلسطينية وإيمانها بحق الشعب الفلسطيني في نيل دولته المستقلة على أرضه التي سلبت منه بقوة الاحتلال. لكن الوقائع أثبتت أنه لا يوجد لدى أي طرف عربي أدنى قدر من الاستعداد للاحتفاظ بنوع من المصداقية تجاه ذلك الجزء المهم من مشروعيته ومقبوليته السياسية، وأن ذلك لم يكن سوى نوع من التكتيك البدائي للمناورة ونيل ما يتصور وهمًا أنه مكاسب استراتيجية مهمة.

وبالعودة إلى الأعذار التي تفوق في قبحها الفعل ذاته، فإنه حتى في إعلانات التطبيع المتلاحقة الكثيرة، نجد أن الأطراف القائمة بالتطبيع – الإمارات والبحرين والسودان والمغرب – قد حذت حذو أسلافنا – مصر والأردن – في سوق مبررات لا يعقل أن تلك الأطراف تصدقها وتريد من شعوبها وبقية الشعوب العربية أن تصدقها هي الأخرى. فالإمارات، على سبيل المثال، وعندما لم تجد ما يمكن أن يبرر خطوتها التطبيعية، ساقت لنفسها إنجازًا وهميًّا مفاده أن تطبيعها مع العدو جاء تضحية من صانع القرار فيها في مقابل تعهد صهيوني برعاية أمريكية بوقف وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية حفاظًا على فرصة قيام «دولة» فلسطينية. ولا أدري من الذي أوحى لمركز القرار في أبو ظبي بهذه الخلطة الهجينة بوصفها مخرجًا من مأزق تبرير التطبيع مع العدو. ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة للبحرين. أما السودان والمغرب فقد كانا أكثر «واقعية» وفق مفهومهما القاصر بالطبع، فقد أعلنا صراحة أن تطبيعهما جاء لمصالح ذاتية بحتة، فالخرطوم كانت تسعى لمحو وصمة الإرهاب التي اقترنت بها منذ سنوات وفق اللوائح الأمريكية، وأما الرباط فقد استبدلت برمال فلسطين رمال صحرائها، فاعترفت بالاحتلال الصهيوني رسميًّا في مقابل اعتراف أمريكي بسيادتها على الصحراء الغربية التي تمثل بالنسبة لصانع القرار المغربي صداعًا مزمنًا. وفي تكرار للتجربة الإماراتية – رسم مشهد بائس وتسويقه بالقوة على أنه مخرج مشرِّف – فقد أصدر حزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب بيانًا كان في الواقع تعبيرًا صارخًا عن حالة الوهم التي يعيشها صناع القرار العرب في كونهم يتصورون أن تبريراتهم تلك يمكنها أن تنطلي على أبسط فئات شعوبهم وأضعفها ثقافة وفهمًا، فضلًا عن نخبها التي ما تزال تملك أسبابًا من الوعي والبصيرة. ولم تكن عبارات بيان حزب العدالة المغربي في الإشادة بمواقف ملك البلاد – رئيس لجنة الدفاع عن القدس – والإصرار على تمسك المغرب بقضية فلسطين وأهميتها المماثلة لأهمية قضية الصحراء، وما شابه، سوى تجسيد حقيقي للمأزق الأخلاقي الذي تحاول الأنظمة العربية الخلاص منه بأي طريقة، حتى لو كان ذلك يزيد من استصغار شأنها أمام نفسها وشعبها وبقية الشعوب العربية.

إن الإشارات والتلميحات التي كانت تصدر بشكل شبه يومي عبر «نخب» وأصوات سياسية وثقافية في الدول التي أفرجت أخيرًا عن توجهاتها التطبيعية، كانت توحي بوضوح – أو كان ينبغي أن تكون كذلك – بأن ما يحدث هو تمهيد نفسي وعقلي لما هو قادم. ولم يكن ما حدث مجرد كلام يرمى على عواهنه، أو محاولة لرسم تصورات شخصية، بل إن كل شيء كان يجري تحت سمع وبصر ولاة الأمر في تلك البلدان وموافقتهم الصريحة عليه وليس الضمنية فحسب.

إلا أن حالة الإنكار التي كانت تسود بعض الأوساط حول «استحالة» وصول الأمور إلى مراتبها الحالية، كان هو الآخر مدعاة للأسى. ذلك أن تلك الأوساط لم تكن تريد إدراك المستوى المتقدم الذي وصلت إليه فعاليات التنسيق بين الأنظمة العربية والاحتلال الصهيوني، وهناك طبعًا فرق شاسع بين عدم الإدراك من أساسه، وبين عدم الرغبة فيه.

وأما الطرف الفلسطيني، فلم يكن هو الآخر بأفضل حال. والمفارقة أن الأطراف العربية لم تجد شرعية اتخاذها لمسار التطبيع من ناحية نظرية – القضية الفلسطينية – فحسب، لكنها وجدته أيضًا من الناحية العملية؛ ذلك أن الطرف الفلسطيني الرسمي – الذي يعد ممثلًا للشعب صاحب الأرض المحتلة – قد انخرط هو نفسه ومنذ ما يقارب 30 عامًا في مسار التطبيع وبالحجج ذاتها والمبررات: الواقعية والعقلانية وروح العصر. ولا ندري هنا هل تعلمت الدول العربية الملتحقة بركب التطبيع سوق تلك الحجج والمبررات من مدرسة الطرف الفلسطيني الرسمي، أم العكس ؟ أم أن كلا الطرفين – العربي والفلسطيني – كانا يتلقيان فن سوق تلك الحجج والمبررات من مدرسة طرف آخر؟

إن كثيرًا قد يقال حول طبيعة اتخاذ القرار وصناعته في الدول العربية سواء فيما يخص السلم أو الحرب، حيث تطغى النزعة الفردية، ويصبح من حق كل حاكم في عصره أن يقرر للمجتمع ما يراه مناسبًا، وبالتالي يمارس عملية منهجية في التحول من حال إلى حال آخر مناقض له تمامًا، مع كل ما يرافق ذلك من حذف واستحداث، وتجريف لما هو قديم وبذر لما هو جديد. إلا أن الثابت في المدى المنظور أن طروحات الواقعية والعقلانية و«فن الممكن» وغيرها من حالات الوهم التي تعشعش في ذهن الحاكم العربي، ستنسحب بالضرورة على النخب السياسية والثقافية والاجتماعية كل في بلده، وبالتالي ستصبح الطروحات المضادة للتطبيع موضع محاصرة ومراقبة، وبالقطع فإنها ستعتبر – شأنها شأن كل القضايا الأخرى – مدعاة لاتخاذ إجراءات عقابية ضد المنادين بتلك الطروحات تحت شعار الإضرار بالأمن القومي، وتسفيه رأي الحاكم، والخروج على الإجماع الوطني.

وإذا كانت فصول محنة المقاومة السابقة كانت مقتصرة على معاناة القابضين على بنادقهم حيث رأوا أن السلاح هو إحدى سبل المقاومة المؤثرة، فإن محنة من نوع جديد ستحاصرهم، وهذه المرة ستكون محنة الكلمة، حيث سيكون إبداؤهم لآراءهم المعارضة لركب التطبيع الذي تسير فيه أنظمتهم السياسية، ضربًا من التضحية، لا تقل تكاليفه عن تلك التي كانت تدفع – وما تزال في بعض الأماكن – حين كان السلاح هو أبرز ملامح المقاومة ضد المحتل. وفي فصل المحنة الجديد أيضًا، لن يقتصر الأمر على المقاومة بالكلمة ضد المحتل الغاصب فحسب، بل سيتعين أيضًا بحكم التحدي القائم، أن يجد المقاومون أنفسهم في مواجهة متزامنة – بل متداخلة – مع الأنظمة التي تحكم بلادهم التي يقيمون فيها، ومعها حاشيتها وأبواقها التي تردد صداها وتصدح بما يتفوه به الحاكم وتردده باستمرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد