كلام مسموم

للكلمات فائدة عظيمة هي أنها تخفي ما نفكر فيه حقًا، لذلك قد يختلف كثيرًا مدلول الكلمة عن محتواها الفردي إذا ما كانت بين كلمات أخرى، وأصعب الكلمات قد تأتيك كالأحجار الصغيرة وبعضها كالسهام وأخرى تسقط عليك فتهلكك، والطيب منها يأتيك كوردة جميلة تبث بداخلك البهجة أو كعطر جميل يجعلك تسعد به كلما تذوقته أنفك، وربما كالأيدي الصادقة التي تُربت على كتفك، أو ثناء يكسبك ثقة اهتزت من تصادم سابق.

وبعض الكلمات تأتينا مغلفة بالجميل من المزاح، وما أكثر هذا النوع في زمننا، ولكل شخص حولك مخزون من الكلمات والأفعال، هكذا يقوم العقل تلقائيًا بعمل ما يشبه الملفات الإلكترونية، والكلام الطيب يتم تخزينه ويأخذ منه العقل إذا ما دعت الحاجة إليه في حديث أو فعل، بينما الكلام الخبيث يكون كالفيروس الذي يفسد كل الملفات، ويطفو إلى الأعلى كبيض فاسد، وكلما أردت السكون أبت تلك الكلمات، حقًا مزعجة تلك الرائحة العفنة وتسبب الآلام التي تحيل بينك وبين الراحة، ما يدفعك للنظر فيها، وقد تدرك أنها كلمات فاسدة فتلقي بها خارجًا، وقد لا تستطيع التخلص منها، وتظل عالقة معك طوال الوقت، كلُ حسب وعائه الداخلي، فهناك القوي والضعيف، وعلى حسب نظرتك لمن حولك وللحياة بشكل عام يكون هذا التكوين.

يشغلني كثيرًا أصحاب الكلمات القاسية، تمنيت أن أتسلل داخل رؤوسهم، لأرى كيف تكون نظرتهم، وفيما يفكرون، وتمنيت أن أغوص في عقولهم وأقف بين أعينهم لأكون همزة الوصل بين رؤيتهم وتفكيرهم، فربما بعد كل هذا التسلل والغوص أفهم نظرتهم وأجد سببًا لتلك الكلمات وأعمل على التصحيح والتعديل.

يختلف مكنونك في نظر الجميع من شخص لآخر، يضعونك في ركن خاص بهم، ومهما كنت سعيد أو حزين فأنت في الأخير بائس، سعيد لا تدري ما المصير الذي ينتظرك، وحزين لأن ترضى هذه الحياة التي تعيشها، جعلوا الحظ السيء من نصيبك، كأنك البحر يقفون على شاطئه يصطادون بشباكهم كلامك وأفعالك وما يتلاءم مع رأيهم، ويعلون به ويكبرون من حجمه، ليتبين للجميع أنهم على صواب دائم ولتأكيد نظرتهم فيك، وإن لم يكن هذا ولا ذاك فلا بأس أن يضحك الجميع على هذا البائس تعيس الحظ.

ما كنت تعيس الحظ يومًا ولم أكن يومًا بائسًا لولاكم أنتم، إنما هي اعينكم التعيسة والبائسة هي من خدعتكم بهذا المنظر الذي يريده عقولكم، فما نضح الإناء إلا بما في داخله، فما هو إلا واقع أقصه عليك، وأقدم الرأي ولا أربطه حول عنقي، بل أضعه بجواري لأنه كلام إنسان ليس له من التمييز نصيب، وكل الكلام يؤخذ منه ويُرد إلا كلام المصطفى، فإن تأخذ به خيرًا وإن لم تأخذ به فأنت حر في اختيارك.

فما الحديث عن واقع نعيشه من مرارة وبؤس إلا لنزع الغشاوة التي أخفت حقيقة الأمر، أسعى جاهدًا في فك القيود عن الحق، حتى لا نحيا بفراغ داخلي وفي زيف دائم، أنتم في سكرات خمرٍ تحيون، وجهل تحملونه في صدوركم كأنه النعيم، لقد تكيفت أنفسكم مع هذا الذي في صدوركم، إنكم تتألمون وتخشون علاج الألم، تدّعون العافية وتخفون جراحكم خوفًا من ألم أشد منه، ترضون بألم كل ساعة وترفضون ألم ساعة واحدة.

ليتكم بقيتم على حالتكم وفي صمت، لكنكم تقدمون النصح بالحذر من الوقوف على الحافة، ولا يرفع أحد رأسه فترصده الأعين، ففي منتصف القطيع يكون الأمان، هكذا تأمن على نفسك، وأن تسير بجوار الحائط، وأن تغض البصر عما يجري، أليس في الإمكان أن يلقي أحدهم بسهم في وسط القطيع ومن بين ملايين الصدور سيكون صدرك هو أوسع الأماكن لاستقباله، أليس من الممكن أن يسقط عليك هذا الحائط القائم من مئات السنين، فلا أمان في المنتصف ولا شجاعة بجوار الحائط، إنما هو ألم وغربة.

غريب أنت عن هذا الزمن، لم يكن هذا مكانك ولا زمانك، فليست كل الخيارات متاحة، ولكن النتائج شبه محتومة، إنه زمن الهزائم والخسائر، فربما هو توقيت خاطئ، ومكان غير ملائم، وحينما تفقد حرية الاختيار عليك أن تتقبل ما هو مفروض عليك، قد تكسب حياة تدفع ثمنها نفسك، حينها لن تكون سوى خسارة كبيرة، فماذا تشتري وبكم تدفع؟

وأخيرًا، فلن يبالي أحد بمشاعرك أو إحساسك بل إنهم سيتهمونك بالتفاهة وعدم الجدية، وآخرون سيشككون في نواياك، ويحلفون ما أردت سوى أن تعلو وتسعى في الأرض فسادًا، وأن ينظر الناس إليك وينتبهوا لقولك وتفوز بالثناء، فما تكون النتيجة إلا زيادة في الخيبة، وانعدام الأمل، دعك من كل هذا، ما عليك إلا حفظ لسانك إلا لقول خير أو صمت، ولا تهتم برأي الناس فيك، ولكن عليك الاهتمام برأي الله فيك، فهو الرؤوف بعباده، ففي قربه يكون الأمان، وفي طاعته يكون الستر، وفي رضاه تكون القناعة والطمأنينة، وكن على يقين إذا صدك الجميع سيفتح الله لك أبواب رحمته سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد