ثمة فارق كبير من ينتهج الأساليب المشروعة للتغيير وبين من يسلك الطرق غير الصائبة والتي تم تجربتها من قبل لصنع تغيير كاذب تتغير فيه الشخوص وتبقى السلوكيات التي تمنع التغيير الحقيقي للمجتمع وتحجب نهضته.

إن التظاهر والحشد عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي كآلية مستخدمة في تغيير النظام لم تنجح سوى في تغيير مبارك ومرسي، لكنها لم تفرض منهجا وطريقة في الحكم سوى بعض الشعارات التي لم تستطع فرضها، وصحيح أنها تستطيع إحداث القلائل وممارسة الضغوط إلا أنها في الوقت نفسه تفرض حالة من الغموض جعلت رجل الشارع يكره فكرة الثورة والتغيير من أساسها وجعلته (في الكثير منه) يتمنى لو بقيت الأمور كما هي عليها قبل 25 يناير .

في غياب دور حقيقي وشعبية واضحة للأحزاب السياسية ووجود مشاكل في المؤسسات المختلفة تصبح الدعوات للحشد وإسقاط النظم أشبه بتذاكر مجانية للفوضى لغياب الرؤية من جهة ولعدم القدرة على إجابة السؤال في حال سقوط النظام وهو من الذي سيملؤ هذا الفراغ ويدير شؤون الوطن.

المؤكد أن الدولة المصرية ليست لعبة ومصائر التسعين مليون مواطن لا يمكن أن تكون رهينة برغبة المئات ولا الآلاف ممن يرغبون بإسقاط النظام. وصحيح أن حرية التعبير يجب حمايتها ولكن آن الأوان لأن تكون ضمن إطار مؤسسي حزبي، وتحقق الشروط التي لا تقود إلى مخرجات أكثر صعوبة على الأرض، لأن مشكلتنا في مصر أن التظاهرات تكون عشوائية وغير معروف هدفها، وفي الوقت الذي يكون المعلن منها مثلا هو رفض التنازل عن الجزيرتين نجد هتافاتها تتحدث عن إسقاط النظام، وبينما يكون المعلن هو التظاهر، نجد الحديث بين المتظاهرين عن الاعتصام .

التظاهر حق مشروع للجميع، وهذا لا ريب فيه ولا يمكن أن ينازع هذا الحق أحد إلا هلك. ولكن دعونا نلقي نظرة على الهدف من وراء أي تجمع يسلك مسار الاحتجاج على أمر ما، ومدى تأثير ذلك على صانع القرار، لأنه من المؤكد أن صانع القرار لن يستجيب إلا إذا كان ضغط الشارع مؤثرا، بينما الاعتماد على الشارع في إحداث التغيير المنشود هو هزل لا جد فيه في حال كان الشارع غير متفاعل، ويجعلنا تحت خطر الخسائر في الأرواح أو الاعتقالات ومواجهة القانون في حال حدوث الاشتباكات التي غالبا ما تحدث وفق الكر والفر والغاز المسيل للدموع وينتج عن ذلك غلق المحلات وقطع الطرق.

السؤال الذي لا نحصل على إجابته، ولماذا لا يتغير أسلوب الشباب إلى مسارات شرعية وإيجابية بدلا من أسلوب الصدام مع الأمن الذي يكاد يتحول لعقيدة، وتمكنهم من إحداث التغيير المنشود وفق عملية ديمقراطية وبأقل الخسائر وذلك يتحقق بانضمام هؤلاء إلى أحزاب سياسية معبرة عن أفكارهم أو حتى الشروع في إنشاء حزب يمكنهم من الدخول في لعبة شرعية تجعلهم يصنعون القرار بأنفسهم بدلا من محاولات فرضها بخسائر كبيرة.

منذ 25 يناير 2011 والحركات الثورية تمارس نفس الأسلوب ولا يحصدون النتائج، لأن الشارع مرهون بكتلة لا تعرف عن السياسة شيئا، ولكن عندما تنزل للشارع تغير موازين القوى وتلك الكتلة يتم اجتذابها بأبسط الطرق والكلام الواضح غير المعقد, إنها كتلة تتحرك بقلوبها ووعيها البسيط جدا بالوطن والخوف من فقدانه، لذلك لا يمكن أن تنجح أي محاولة تضع القوات المسلحة المصرية ولا قادتها في حالة خصام، ولا يمكن أن تنجح أي محاولة تهين تلك الكتلة وتصفهم بالعبيد، وبات مفهوما ألا تستجيب تلك الكتلة لأي مسيرات ينتج عنها صدام وغلق للطرق وأبواب الرزق، والتاريخ القريب يشهد بفشل دعوات الإخوان المسلمين في كل فاعليتها التي خاطبت فيها تلك الفئة الأوسع في المجتمع (حزب الكنبة كما يطلقون عليهم) وأيضا فعاليات الشباب والحركات الثورية وآخرهم هزلية يوم 25 أبريل التي أعطت تلك الكتلة ظهرها لها.

الحلقة المفقودة هنا هو كيف الطريق إلى مخاطبة هذا السواد الأعظم من الشعب؟ ولماذا لا تسلك تلك الطاقات الشبابية الطريق الصحيح في التعامل مع الجماهير من خلال أحزاب لها توجد تحت قبة البرلمان ولماذا نشتكي دوما من أن الحياة السياسية في مصر فقيرة وأحزابها كرتونية، وطبعا ستكون كذلك لأنها لا تضخ دماء جديدة وطاقات جبارة تغير من فكر وحركة تلك الأحزاب.

طبعا سيردون على ذلك بأن يرمون الحجارة الكبيرة التي تسد الطريق نحو الإصلاح، بأن يقولوا السلطة لا تريد أحزابا قوية وبأنهم يعملون على تقويضها وتفريغها من كل الكوادر التي يمكن أن تكون ذات تأثير، والرد بأن تلك المعركة أسهل بكثير من معاركهم في الشوارع، لأنه لا تغيير حقيقيًّا بدون أحزاب قوية تستطيع أن تعارض وتشكل برلمانا قويا ينتزع صلاحياته ويحاسب السلطة التنفيذية ويشرع ما يسهل حياة الجماهير.

الطريق من هنا حتما بحيث يصبح غيره هو كمن يدير ظهره عمدا للصواب أو لو أحسنا الظن لقلنا بأن قصور الرؤية غلب القدرة على إدراك الطريق.

إذا أردت تغييرا في المجتمع، فلا بديل عن حياة حزبية حقيقية وغيره هزل ومعركة الشارع هي معركة تتغير فيها الشخوص ولا تتغير السياسات، والذي يغير السياسات هو من يملك القدرة على صنع القرار وتمريره وتجده في الرئاسة والبرلمان وليس في الشارع.

في برلمان 2012 قاطع كثيرا من الشباب الانتخابات وفضلوا الاعتصام في التحرير وكانت دعوات المقاطعة سابقة على المشاركة وفي برلمان 2015 أحجموا عن المشاركة (التيارات الداعية للتظاهرات) بحجة أن المقاعد محجوزة مسبقا، فكيف تريد تغييرا إذا طالما تستسلم بكل سهولة هنا بينما يسهل عليك تطبيق درس التظاهر الصعب والكر والفر غير الآمن وأنت تعلم مسبقا بأنك لا يمكن أن تنجح في هذا الدرس.

ثمة أمور لا يمكن تغييرها في الوعي الحقيقي، الشارع لا يمكن أن يكون بديلا للبرلمان، ومواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تغير مجتمعا إلا من بوابة واحدة، وهي هدم البيت على رؤوسنا جميعا، لآن الآليات المستخدمة على تلك المنصات هي آليات هدم وليس بناء. فمن نشر الشائعات والأخبار الكاذبة والتحريض على العنف وتعميق الكراهية وتداول المعلومات فائقة السرية والسباب الفاحش، لا يمكن معه أن تبني وطنا ولكن يمكن أن تبني مجتمعا مريضا لا يرجى منه الشفاء.

مما لا شك فيه أنه بدون اللحاق بهذا الوعي، سنظل نحصد الخسائر ونظل في جدل حول كيفية إدراك التغيير، وصحيح أنه قد يكون الجدل أشبه بالحراك الإيجابي والمعمق للرؤى شريطة أن يفضي ذلك إلى مسارات تجعلنا نحقق الأهداف لكن أن نظل نتخبط هكذا ونجري في الشوارع ونعيش عوالم افتراضية على صفحات التواصل الاجتماعي ونظل نختلف ونلف في دوائر مغلقة فيتحول إلى جدل عقيم لا يمكن أن يفضي إلى شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جدل
عرض التعليقات
تحميل المزيد