في هذه اللحظة التاريخية التي يتصاعد فيها صدى التحولات العالمية، هناك جدل واسع بين العديد من المفكرين والباحثين في الشأن السياسي حول مفهوم الأخلاق والسياسة.

يعتقد البعض أن السياسة تستدعي التخلي عن القيم والأخلاق والتوجه إلى أساليب تتحرر من القيم فكانت الأخلاق والسياسة لهما مفهومان متناقضان.

كما يتصورون أن السياسة هي أن تحافظ على كيانك والبقاء قائما سواء على مستوى الأفراد والحكومات والدول باستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وهؤلاء يستندون لنظرية ميكيافيلي الذي يرى أن الأخلاق يجب إبعادها عن السياسة لأنها العائق الوحيد أمام تطور الدول وله مقولة مشهورة «الغاية تبرر الوسيلة».

بمعنى إذا كانت الغاية التي نسعى إلى تحقيقها نبيله فإنه من الممكن بل الضروري استخدام وسائل تتنافى مع الأخلاق لأنه يرى أن السياسة المبنية على الأخلاق تنهار بسرعة وينظر إلى الإنسان نظرة سلبية وميله إلى التملك والسيطرة.

في المقابل!

للفيلسوف الفرنسي ريمون بولان الأستاذ في جامعة السوربون بباريس كتاب اسمه (الأخلاق والسياسة) العميق المعنى الثري الأفكار عد فيه أن الأخلاق بلا سياسة وهم فمن الوهم أن يتصور البعض أن الأخلاق والقيم التي يتمثل بها أي إنسان في ضميره وجوهره تلوثها ممارسة السياسة لأن غاية السياسة هي الحفاظ على الإنسان والإنسان كائن أخلاقي وحتى يتحقق مفهوم السياسة الحقيقية التي مرادها تحقيق المطالب وإتمام الحريات وإرساء القواعد والنظم الديمقراطية السليمة.

وجاءت الثورات العربية وما رافقها من تغيرات كبرى على الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره حتى طالت المفاهيم والأطروحات الفكرية أحد أهم هذه المفاهيم في أفق الثورات وما بعدها، التجاذب بين السياسة والأخلاق.

فالسياسة هي أن تصون كرامة الفرد وحقوقه ويصبح المجتمع في مناخ أخلاقي سليم فيتحقق ما يسمى بسياسة الأخلاق ولكن للأسف ما نراه الآن في واقعنا المعاصر المتأزم من تغييب حريات البشر، واستباحة حقوقهم وتشريد مجتمعاتهم، تقتل بنيتهم الأخلاقية والسياسية والإنسانية، لأن التباعد بين الأخلاق والسياسة أدى إلى وجود أنظمه ديكتاتورية فاشية وممارسات لا إنسانية، لأن الاستبداد يقلب القيم والأخلاق رأسًا على عقب ولا يمكن دمج هذا المفهوم في مجتمعاتنا لأنه لا يتحقق في مناخ سياسي متطرف عنيف.

ورواد النضال السلمي كمهاتما غاندي ولوثر كينج ومانديلا قد نجحوا في إيقاظ ضمائر الناس وتحفيز هممهم عبر مختلف الوسائل المدنية لمقاومة الاستبداد والفساد الأخلاقي في آن واحد.

ويلخص مالك بن نبي هذا الجدل بمقولته الشهيرة «إذا كان العلم دون ضمير خراب الروح فإن السياسة بلا أخلاق خراب الإنسانية».

والعمل السياسي في العالم قائم على الميكافيلية، على الكذب والزور وازدواجية المعايير، ولكن نحن المسلمون بجب أن نعطي لهم صورة أخرى للعمل السياسي فحينما نمارس العمل السياسي يجب أن يكون قائمًا على المبادئ الأخلاقية وتحقيق العدالة.

وحينما يندمج الفكر السياسي مع الفكر الأخلاقي في الأفراد والمجتمعات والدول والعلاقات يكون المستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا وتتحقق العدالة والحرية والطمأنينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد