آخر وزارة شكلها حزب الوفد، أكبر الأحزاب وصاحب الأغلبية المطلقة، قبيل سقوط وانهيار النظام الملكي في مصر كانت في عام 1950، والتي جاءت نتيجة صفقة سياسية – أقرب للمؤامرة – عندما قبل الملك فاروق أن يتنازل قليلًا ويتعاون مع حزب الوفد ليقاسمه السلطة والحكم بعد سنوات طويلة ومريرة من العداء والصراع والمعارك الخفية والعلنية.

ولم يكن قبول الملك بذلك تطوعًا بالخير أو حبًا في الديمقراطية ومنح حزب الأغلبية حقه في قيادة البلد لأن ذلك هو اختيار الأمة (مصدر السلطات)، بقدر ما كان رغبة ملكية في الهروب من مشاكل وعقد سياسية صنعتها تلك الحكومات الهزيلة التي وقف بجانبها وساندها عندًا وعنادًا بغير منطق أو سبب، وكذلك تهربًا من فضائحه الشخصية والعائلية التي تفاقمت وتطورت: من زوجته إلى أمه وأخواته.

وكانت تلك الصفقة – كذلك – مطلبًا وفديًا يريد بها حزب الأغلبية العودة للحكم بعد سنوات من التيه كانت قاسية وعنيفة على كوادره وأعضائه، وهو بهذه الصفقة يستعيد «حقه» المسلوب، لأن التجارب علمته أنه – في بلد مثل مصر ومع ملك مثل فاروق – لا يمكن التعويل كثيرًا على الانتخابات ونتائجها أو رغبة الناخبين واختياراتهم!

ولقد جاءت تلك الصفقة نتيجة مشاورات ومداولات طويلة ومضنية بين «فؤاد سراج الدين» (سكرتير الوفد) و«كريم ثابت» (مستشار الملك الصحفي)، بحضور وإشراف من «أحمد عبود» (أغنى أغنياء مصر) وكذلك «تشامبان أندروز» (الوزير البريطاني المفوض) وكان العنوان الرئيسي الذي تجرى تحته المفاوضات هو «السياسة الجديدة» من كلا طرفي السياسة المصرية: الملك والوفد، على أن يتناسى الجميع ذكريات ما سبق بينهما و«عفا الله عما سلف»!

ولقد كانت السيدة «زينب الوكيل» (زوجة النحاس باشا) هي المحرك الأساسي والرئيسي للوصول للوزارة وهي في ذلك ضغطت على زوجها زعيم الوفد (ومصر كلها) أن يتنازل عن تاريخه وكرامته (وهو من هو) وينحني ليطبع «قبلة» ولاء ومحبة على يد الملك فاروق لتكون بداية عهد جديد يضمن للوفد البقاء في الحكم برضا ملكي دائم.

وفي أثناء مشاورات تشكيل الوزارة اجتمع «مصطفى النحاس» مع القطب الوفدي «نجيب الهلالي» لساعات طويلة وظن الكثيرون أنه يعرض عليه منصبًا وزاريًا، ولكن الحقيقة أن الهلالي (باشا) رفض الوزارة وأعلن اعتزاله العمل السياسي كله، وكان فقط في ذلك الاجتماع يحاول التوصل مع زعيم الوفد لتشكيلة وزارية جديدة وشكل غير تقليدي للوفد يراعي التغيرات والتطورات في البلد والعالم بعد الحرب العالمية.

ومن هنا جاء ترشيح الهلالي للدكتور «طه حسين» ليدخل وزيرًا للمعارف، ولكن النحاس تخوف من ذلك قائلًا بعفوية: «طه ممكن يشطح»، والمعنى أن الأديب والمفكر داخل طه حسين سوف يتغلب على منصب الوزير ومن هنا قد يسبب مشاكل لا حدود لها، وبالطبع فإن أحدًا في مصر وقتها لم يكن ينسى معركة كتاب «في الشعر الجاهلي» وما سببته من أزمات.

ولكن الهلالي طمأن «دولة الرئيس» وقال له: «إن اختيار طه حسين سوف  يعطي للحكومة رونقًا وشكلًا يعجب المثقفين والمتعلمين في البلد». وفي ذلك الوقت – أعلن «الوزير» طه حسين عن أهم شطحاته وهي اعتبار «التعليم كالماء والهواء حقًّا لكل فرد في مصر».

وبعد مرور شهور قليلة تناسى الملك وحزب الوفد أسباب الاتفاق على الوفاق بينهما وبدأ الشقاق يدب في علاقتهما، ولم تكن «قبلة» زعيم الوفد على يد «مولانا» كافية لإطالة عمر الوزارة أكثر من سنتين عندما أقالها فاروق ليلة حريق القاهرة في 26 يناير 1952، ولم يعد الوفد إلى الحكم أبدًا بعدها.

ولم يبق – للتاريخ – سوى «شطحة» الدكتور طه حسين التي كان «دولة الرئيس» يتخوف منها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سقوط نظام : لماذا كانت ثورة يوليو لازمة؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد