عندما ترى شريط الأخبار بكل قناة، وتقلب من قناة إلى قناة، وتشاهد الكل يتصارع من أجل أفكاره التي لم تنص على الحقيقة أصلًا، ولم يعجبك الأمر فتذهب إلى عالم الفيس بوك وتشاهد العنف الدموي (اللارحيم) في سوريا، وتنزل إلى الأسفل فترى منشورًا يقول “ادعم أهلك في فلسطين من خلال حساب …”، وترى البطالة في وجوه أصحاب الماجستير في مصر، وترى غيرها من القضايا التهميشية الظالمة، فاعلم أنك في العالم الثالث.

الوطن العربي يعج بالقضايا السياسية منذ زمن طويل، وللأسف أغلب المواطنين لا يفهمون ولو بشكل بسيط ما هي السياسة وكيف تعمل، وهذا المقال المترابط يفسر لك آلية السياسة بشكل مُبسط، أيها القارئ العزيز لا تدع عقلك يلامس كل جزء في هذا المقال بل اجعل كل شيء مرتبطًا لأنك ستدخل في رحلة “مسار الفن في الوعي بين الشعوب”.

عندما تمتلك الرشادة السياسية، وتنبع منك القيم العقلانية، ويشغل بالك تحليل وتفكيك الظواهر الإقليمية والدولية وتفاعلاتها الداخلية والخارجية، فإنك على يقين في فهم الصراع المعاصر في هذا العالم، وأنك أصبحت من النخبة المثقفة.

السياسة هي لغة تدخل في جميع العلوم؛ في الفلسفة كونها تحليلية، وفي التاريخ كونها تدرس الأحداث، وفي القانون كونها تتحدث عن مكاسب الناس، وأيضًا في علم الاقتصاد.

توظيف علم السياسة يعد استكشافًا فكريًا عميقًا، ويهدف إلى تحقيق الأمن القومي، ويساعد على فهم جميع الأنظمة المُغلقة والمفتوحة.

“يجب عليّ أن أدرس السياسة والحرب ليحصل أبنائي على الحرية الكافية لدراسة الرياضيات والفلسفة”. (جون آدمز)

ومثلما لغة الكون هي الرياضيات فلغة الإنسان هي السياسة، لأن الإنسان دائمًا يبحث عن السلطة والسلطة مربوطة بالسياسة بشكل أساسي وهي جالبة السعادة غالبًا.
والمجتمع الذي يبنى على عوامل عدة ولا يعلمها إلا السياسة.
والفكر الذي يرتبط بأفراد المجتمع، مثل لماذا هذا المجتمع رأسمالي أو اشتراكي…
وهذه الحقائق تجيب سؤال لماذا يجب أن نعرف السياسة.
وكل هذا لأجل الضبط والتحكم لأحداث ما.

هناك أداة حقيقة لتوظيف السياسة وستوضح عند فهم المعايير التالية:

لكي نتحرر من مصادر التهديد علينا فهم توازن القوى وأساليب الردع والسيطرة على نتائج المخاطر وإدارة كل الأزمات.
ولكي نرجع إلى التكامل القومي علينا أن نعيد النظر إلى المشكلات وعدم النظر إلى دين مقابل دين، وغيرها من التقسيمات الغبية فنحن أصحاب الوطن الواحد ولنا أهداف قومية موحدة.

ولكي نقوي المستوى السياسي وتنميته علينا أن نرجع إلى إدراكنا وننهي اختلافات الجماعات السياسية.
ولكي نعالج الفقر وانخفاض التنمية وندرة الموارد، علينا فهم أنها أسباب آثار وميراث الاستعمار في أرضنا.
وعلينا وعلينا و…

كلها أساسية والجواب لحلها يبدأ:
بصناعة وصياغة وإنتاج نموذج جديد من التفكير المنهجي الذي يستعرض المحاولات والإصلاحات لتلك المشاكل، وكل هذا يحتاج إلى شيء يسمى الدراسات الإستراتيجية، وهذه هي أداة السياسة القوية.
-“العناصر التي تحتها خط هي عوامل العالم الثالث”.

حقيقةً التفكير الإستراتيجي المفعم والمخصب بالعلوم السياسية والاجتماعية وغيرها، يعد أقوى من العنف المسلح.
هل تقصد أن الورقة أو الدفتر أقوى من السلاح؟!

بكل تأكيد نعم، والبرهان أن أمريكا انتصرت بإستراتيجية النصر بلا حرب، وذلك مدون في كتاب نصر بلا حرب، للمؤلف “ريتشارد نيكسون”، إن الدراسة الإستراتيجية ليست مجرد ورقة فقط يُكتب بها، بل هي نماذج جديدة وبديلة لظواهر موجودة، وهي تساند القرار الحاسم.
فهي “التي تعني بدراسة جوانب السياسات الدولية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بظاهرة الحرب والتي تركز على موضوعات القهر والصراع واستخدام الوسائل لتحقيق الأمن والاستقرار”.

الدراسة تحتاج إلى وقت طويل لأنها تحدد نماذج مركزة بالحقيقة الملموسة (غير المعنوية)، هذا العالم أصبح “صراعًا بين أيديولوجيات”، ولا نعلم كيف نفهم كل فكرة بناءً على النظام العالمي الجديد، وأيًا وكيفَ نحلل هذه المعلومات، لأنه أصبح هنالك تدفق كبير ليس على صعيد الأفكار فحسب إنما على صعيد الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولكي نفسر كل تغيرات هذه المعلومات الكبرى ومن ثمَ الوصول إلى الحقيقة التي هي التفكير المنهجي للحل الجذري، ونفهم وندرك ونستنتج كل صراع وكل ظاهرة ولو بشكل بسيط، فيجب فهم مكونات الدراسة الإستراتيجية (سر المهنة).

-أهمية دراسة التاريخ العربي، لكسب الخبرات المشتركة بين الأجداد والأبناء ومعرفة المهارات الكفاحية لاستنتاج الثغرات في المشكلات المعاصرة.
-فهم تركيبة الاستعمار في زمن الحروب، وهدفه وآثاره، مركزًا على المشكلة المعاصرة حتى لا يصبح إدراكنا بعد غائبًا ولربط الأحداث.
-فهم الفلسفة التحليلية ودراسة ثقافات الشعوب لفهم النظام العالمي المراوغ.
-الإدراك والفهم المستمر في الصراع الذي بين الدول ذات السيادة.
-البحث في الثقافة واستكشاف العلاقات.
-القراءة ثم القراءة ثم القراءة ثم الاستماع للمواجهة!

سنضرب مثالًا لدراسة قام بها الدكتور أنطوان شلحت؛ باحث فلسطيني وناقد أدبي.

Untitled

عمل على ورقة تركز على الدور الكبير الذي أداه “مؤتمر هرتسليا حول ميزان المناعة والأمن القومي في إسرائيل”، كما أبرزت أن الدور الرئيسي للمؤتمر هو قيام “الدولة اليهودية”، وتناولت تأسيس المؤتمر وغاية الدولة اليهودية وأين مصيرها في المركز، واستنتج أن قيام الدولة اليهودية تعني النفي التاريخي للرواية الفلسطينية الحقيقية وإنكار وجودهم، وأنه من المستحيل الحديث حول حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم.

هذا مجرد نبذة بسيطة عن الورقة، ولها فائدة عُظمى لوجود تلك المعلومات السرية والقوية، وماذا يجب أن نفعل في مثل هذا الموقف (توصيات)، وحصل عليها الدكتور باستنتاجه الخاص والتعمق الفكري، وفهم أن إسرائيل منذ بدأ الصراع تحاول بناء الدولة اليهودية وطمس وحذف حق العودة من الوجود، وأن أي اعتراف عربي أو دولي بالدولة اليهودية يعني غياب الفلسطينيين عن الحياة.

أرأينا؟! كيف كانت الدراسة الإستراتيجية تعمل وماذا تفعل وكيف يصبح لها بعد مستقبلي وإصلاحي تجاه الحياة العربية التي تشهد الصراع الأزلي لنهب ثرواته.

لغة السياسة قوية جدًا وحتى ولو كانت مُنجمة، فلديها أبعاد لا يمكن رؤيتها مثل الأبعاد الفيزيائية.

المعادلة منذ الحرب العالمية الأولى كانت “حلفاء” ثم اتضح أنها “مصالح مشتركة” ثم اتضح أنها “إستراتيجية التملك حتى على أصحابها”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد