تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ما عرف بداعش هو ذاك التنظيم المتطرف الذي وجد كل مقومات الكيان المتوحش والفكر المتطرف، ولكنه فشل في إدارة التوحش، الجميع يعلم أن تنظيم الدولة خرج من رحم تنظيم القاعدة كجماعة مسلحة تتبع الفكر السلفي الجهادي هدفها مقاومة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

وكان مؤسس اللبنة الأولى لتنظيم الدولة هو جهادي أردني يكنى بأبي مصعب الزرقاوي، حيث بدأ التنظيم باسم جماعة “التوحيد والجهاد” وكان أول من نادى لمقاومة الغزو الأمريكي للعراق تحت راية الجهاد السني الإسلامي، ولم يكن أحد ينافسه على هذه الدعوة في ذلك الوقت، وإلى يومنا هذا فهو الكيان السني الوحيد المؤثر على الأرض العراقية على عكس الطائفة الشيعية فهناك الكثير من الكيانات والجماعات المسلحة ويدخل ضمنها الجيش العراقي الذي يسيطر عليه النخبة الشيعية والتي لديها أجندات خارجية ومدعومة من جهات خارجية كإيران وأمريكا وغيرهم.

استطاع الزرقاوي أن يكسب تحالف أعضاء سابقين في الحرس الجمهوري العراقي وحزب البعث العراقي في عهد الرئيس الراحل صدام حسين وبهذا التحالف اجتمع ركنا الفكر المتطرف المتمثل بالزرقاوي وأعوانه وركن الفكر العسكري المتمرس والمتمثل بأعضاء الحرس الجمهوري وأعضاء حزب البعث السابقين واستمر هذا التحالف ليشكل تنظيم ما يعرف بـ“داعش” فيما بعد، وكان الطرفان – سواءً الزرقاوي أو رجال الرئيس السابق صدام حسين – في حاجة لبعضهم البعض.

فالزرقاوي كان يمتلك الخطاب السلفي الجاذب للمقاتلين من حوله، ولكنه لم يكن يمتلك الخبرة العسكرية في ميدان القتال، والتي كان يتحلى بها رجال صدام السابقين الذين لم يكونوا يمتلكون الخطاب الدعوي للجهاد لكي يثبتوا المقاتلين من حولهم، فرجال صدام حسين وأعضاء حزب البعث لم يكونوا يستخدمون إلا الخطاب القومي الذي لا يمكن أن يمنحك مقاتلين يستميتون للدفاع عن مشروعك. وما سهل هذا التحالف بين الطرفين هو أن كلاهما من الطائفة السنية التي أصبحت مضطهدة من جانب النخبة الشيعية المدعومة من الخارج، سواءً كطائفة دينية من قبل إيران أو كطرف يمكن الاعتماد عليه من قبل أمريكا لضمان تهميش رجال الرئيس السابق صدام حسين وتهميش الطائفة السنية التي ينتمي إليها صدام.

وفي بداية قبول بيعة الزرقاوي لمؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أصبح اسم الجماعة “قاعدة التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين”، مع العلم أن أسامة بن لادن قبل بيعة الزرقاوي على مضض، فالزرقاوي كان يحتفظ بتاريخ جرمي مكشوف للعيان في السجلات الأمنية لدى القضاء الأردني ولدى جيرانه في مدينة الزرقاء الأردنية والوشوم التي على جسده بقية شاهدة على ماضيه حتى مماته وكانت إحدى العلامات التي دلت الأمريكان على جثته عند مقتله، وكانت هجماته الاستفزازية داخل الأسواق والمجمعات العراقية تغيض وتنقص من شعبية تنظيم القاعدة في العراق.

وفي غضون أشهر من مقتل الزرقاوي في غارة أمريكية شمالي العراق في شهر يونيو (حزيران) 2006 ظهر تنظيم أطلق على نفسة “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق” وكان تحت لوائه فرع تنظيم القاعدة في العراق وبقية الجماعات السنية المسلحة، ولكن مع مقتل الزرقاوي خفت نشاط الجماعات السلفية على الأرض العراقية ولم تعد المخابرات الأمريكية تصنفها كمصدر قريب التوقيت لشن هجمات إرهابية منظمة، إلى أن حل إبراهيم عواد إبراهيم البدري والمعروف اليوم بأبي بكر البغدادي في منزلة القائد العام لتنظيم الدولة الإسللامية في العراق في عام 2010، فتبين حينها أن التنظيم كان في حالة سبات في انتظار فصل الربيع العربي الذي اجتاح المنطقة العربية في أواخر عام 2010، والذي استمر أكثر من ستة أعوام، وما زال ربيعه الأسود ينمو في سوريا، وبقي تنظيم البغدادي يتغذى على هذا الربيع العربي إلى يومنا هذا، ونحن في عام 2017.

دعونا نبحث في أوجه وكيفية تورط البغدادي وأعوانه في المساهمة في زوال تنظيمهم المتطرف وسنقسم أوجه فشل التنظيم إلى وجهين:

(1) الفشل الميداني أو العسكري

سنبدأ بتتبع مسار تنظيم البغدادي بدءا من شهر ديسمبر (كانون أول) 2011 إبان إندلاع ثورات الربيع العربي وتحولها لصدام مسلح على الأرض السورية حين اجتاحت دمشق موجة من التفجيرات بسيارات مفخخة، تم تبنيها فيما بعد من قبل تنظيم أطلق على نفسه اسم “جبهة النصرة” بزعامة الجهادي السوري أبي محمد الجولاني، أحد رجال البغدادي على الأرض السورية، وكان يجمعهما التبعية غير المركزية لتنظيم القاعدة بزعامة أيمن الظواهري، وبنشوء جبهة النصرة على الأرض السورية في أواخر عام 2011 أحد أفرع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بزعامة البغدادي أصبحة رؤية البغدادي التوسعية نحو العالمية تتكشف للعيان، وبقية جبهة النصرة تمارس المقاومة المسلحة ضد قوات النظام السوري على الأرض السورية على أنها أحد أفرع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق.

وكان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق يتغنى بإنجازات جبهة النصرة على الأرض السورية مع أنه كان يشعر ببعض الخوف من خروج جبهة النصرة من تحت عبائته، وفي شهر إبريل (نيسان) 2013 أعلن البغدادي أن تنظيم جبهة النصرة فرع لتنظيمه الجديد والذي سماه “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” وقبيل نهاية 2013 نشأ نزاع مسلح بين تنظيم جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية وكسب تنظيم البغدادي حينها معاداة جميع فصائل المعارضة السورية، وأعلن زعيم جبهة النصرة تبرأه من تنظيم البغدادي وبايع زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.

وترتب نتيجة لهذا النزاع المسلح فقدان تنظيم الدولة لجزء كبير من الأراضي التي كانت تحت سيطرته سابقًا، ولكن تنظيم الدولة الإسلامية كان لديه جيوب ومناطق سيطرة كثيرة على الأرض السورية ومن أهم مناطق سيطرته كانت عاصمة دولة الخلافة المزعومة فيما بعد وهي مدينة الرقة السورية وسيطر أيضًا على مدينة ساهمة في تغذيته ماليًا، وهي مدينة منبج التي سهلت له نقل النفط إلى الحدود التركية، وسيطر على أغلب الشريط الحدودي السوري مع الأرض العراقية وتوغل في مناطق الأكراد على الأرض السورية ومن أهم مدنهم عين العرب كوباني على الحدود مع تركيا، وكانت سرعة انتشاره في سوريا أكبر منها في العراق في ذلك الوقت وسيطر على ما يقارب نصف الأراضي السورية.

وفي 10مارس (آذار) 2014 سقطت مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق في يد “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ولم يكن حينها دولة خلافة وفي هذه اللحظة بالتحديد تنبأ المجتمع الغربي بضرورة الاحتشاد لمقاتلة هذا التنظيم، وفي 29يونيو (حزيران) 2014 أعلن البغدادي قيام خلافة إسلامية وهو يقف على منبر جامع نور الدين زنكي في مدينة الموصل بعد أن أحكم التنظيم سيطرته على المدينة وطرد جميع قوات الحكومة العراقية من داخلها، وتوالت حينها المدن السنية في السقوط في يد التنظيم المتطرف كأحجار الدومينو فسيطر على مساحات كبيرة من محافظة ديالى وتوغل داخل مدينة تكريت ومدينة الرمادي.

وأخذ يتوسع في اتجاه الشمال العراقي واستهدف مناطق وجود الأكراد والإيزيديين فبسط سيطرته على سنجار، ولم يكن يريد التوقف حتى يستولي على كامل العراق وسوريا، بالرغم من أنه أصبح يسيطر على ما مساحته 90000 كم مربع في عام 2015 أي أكثر من مساحة دولة الأردن المجاورة، وفي أقل من سنة نجح التنظيم في استقطاب العديد من الجماعات المتطرفة في عدد من البلدان العربية والإسلامية وأصبحة تعمل تحت راية الخليفة المزعوم أبي بكر البغدادي، فأصبح لديه فروع عسكرية في ليبيا وفي سيناء مصر وفي نيجيريا، وأصبح له جيوب في 11 دولة.

ولقد كان التنظيم يطبق فهمه للشريعة الإسلامية في كل مدينة يبسط سيطرته علها وكان يطبع المنشورات واللوحات التوضيحية لحدود دولته في كل حي يدخله، وكان التظيم يشن الهجمات الصاروخية والاستشهادية كما يسميها على قوات حرس الحدود التركي والأردني واللبناني التي تشترك بحدودها البرية مع سوريا، فكان يستفز جميع قوات حرس الحدود الأجنبية مع الدولة السورية لكي يدفعها دفعًا لمهاجمته، وكان التنظيم يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لحث المتعاطفين معه في كل بلدان العالم بدون استثناء؛ لكي يشنوا هجمات على القوات الحكومية في أي بلد كانوا.

بالإضافة لاستهداف الرعايا غير المسلمين بشكل جماعي وعشوائي، وكانت تلك الهجمات تسمى بهجمات الذئاب المنفردة ولعلى من أبرزها هجمات باريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، ومن أشد هجمات التنظيم ضراوة خارج حدود مناطق سيطرته في العراق وسوريا هي إسقاط الطائرة الروسية على سيناء مصر في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وكان الفكر المتطرف الذي يتبناه هذا التنظيم والدعاية التي يطلقها من على الأرض السورية والعراقية أشبه بقاعدة إطلاق صواريخ عابرة للقارات تحشد مقاتلين من شتى دول العالم ويشنون هجماتهم أينما كانوا.

وبقي التنظيم يتوسع داخل الحدود السورية والعراقية في أعقاب إعلان الخلافة في عام 2014 إلى أن أجبر المجتمع الدولي على إعلان قيام تحالف دولي بقيادة أمريكا في يوم 7 أغسطس (آب) 2014 وتم تنفيذ ضربات جوية على أماكن سيطرت التنظيم في اليوم التالي من تاريخ الإعلان عن التحالف، ولما أصبح التنظيم أبرز اللاعبين على الأرض السورية وأصبح يسيطر على ما مساحته نصف الأرض السورية في عام 2015 أجبر الروس حلفاء الأسد على التدخل العسكري في سوريا باتجاه مناطق سيطرته باعتبار أنه لا يعتبر من قوى المعارضة المعترف بها من قبل بعض الأطراف الدولية، ومثلما سقطت المدن السورية والعراقية بيد داعش كأحجار الدومينو فإنه في عام 2015 كانت المدن التي كسبها التنظيم سابقًا تسقط من يده كذرات حبات الرمال بسرعة فائقة فكانت أماكن سيطرته هدف لقوى المعاضة السورية والحكومية على حد سواء، وفي العراق كذلك الأمر، إلى أن أصبح عبارة عن ميليشيات مسلحة ليس لها أماكن سيطرة واضحة في عام 2017.

وفي نهاية عام 2016 خسر التنظيم مدينة دابق السورية لصالح قوى المعارضة السورية المدعومة من طرف تركيا في حملة عسكرية تم تسميتها باسم درع الفرات، وكانت هذه ضربة قوية لدولة الخلافة لرمزية مدينة دابق بالنسبة له فهي حسب معتقداته ستشهد معركة آخر الزمان وسمى مجلته الإلكترونية على اسمها، وفي بداية عام 2017 خسر التنظيم مدينة الموصل أهم مدن العراق بالنسبة له وها هو على أعتاب خسارة كامل عاصمته مدينة الرقة السورية لصالح قوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد و المدعومة من قبل أمريكا.

والآن بعد أن تكلمنا بشكل موجز عن التحركات العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية داخل حود العراق وسوريا، دعونا نعلق على أسباب فشل التنظيم عسكريًا داخل حدود العراق بالتحديد، فتنظيم الدولة وجد نفسه داخل مجتمع سني مضطهد من قبل نخبة الطائفة الشيعية، ووجد نفسه في مواجهة جيش حكومي مترهل تنخر في جنباته قضايا فساد عديدة وولاءات خارجية متعددة، فكان من السهل عليه بسط سيطرته على المدن السنية في العراق، ومن السهل أيضًا تجنيد شباب السنة في صفوفه.

ولو أن التنظيم اكتفى ببسط سيطرته على المدن السنية، ولم يتوسع باتجاه مناطق وجود الأكراد والشيعة والإيزيديين في العراق؛ لما وجد كل هذا التنديد ضده من قبل المجتمع الدولي والعربي، خاصة أن المجتمع الدولي يعلم مقدار التهميش الذي تتعرض له الطائفة السنية في العراق، ولما وجد التنظيم هذا العداء من قبل القومية الكردية في كردستان العراق؛ لأن الأكراد يتمنون أن يستقل السنة العرب في مناطقهم عن مناطق الشيعة العرب؛ لكي يجدو لأنفسهم عذرًا، ويعلنوا استقلال كردستان العراق عن الدولة المركزية في بغداد، فتنظيم الدولة بقي يتوسع عسكريًا داخل حدود العراق، وأخذ يهجر الشيعة والإيزيديين من مناطق سكناهم، فكان يطمح أن يسيطر على بغداد وكامل العراق، وأخذ يضرب حدود أربيل ويهاجمها بالعربات المفخخة، إلى أن كسب عداء جميع القوميات والطوائف العراقية الأخرى، ولو أن التنظيم اكتفى بوجوده داخل المدن السنية العراقية لما استطاع أحد أن يخرجه من مناطقه إلا بحرب إبادة واسعة ضد الرعايا السنة في العراق.

ولو أن التنظيم اكتفى بوجوده داخل حدود العراق، ولم يخرج خارج حدود العراق باتجاه سوريا؛ لما وجد هذا التحالف العسكري الدولي ضده، خاصةً وأنه على الساحة العراقية لا يوجد فرق جهادية سنية تنافسه على رفع لواء الجهاد السني، ولكن على الساحة السورية، فهناك العديد من الجماعات الجهادية السنية تنافسه على ساحة القتال، ومن أبزها جبهة تحرير الشام “النصرة” سابقًا، ولو أن التنظيم لم يحث أتباعه والمتعاطفين معه في شتى دول العالم على تنفيذ هجمات الذئاب المنفردة في البلدان التي يقيمون بها، واكتفى بحثهم على اللحاق بأرض الخلافة المزعومة لما وجد كل هذا الحشد العسكري ضده على أرض العراق، وأخيرًا ونظرًا لتحركات البغدادي العسكرية، فإنه أصبح بإمكاننا أن نقول إن هذا التنظيم أصابه جنون العظمة نظرًا لطموحاته العسكرية.

(2) الفشل الإعلامي والدعوي

سنبدأ بالحديث عن نقاط فشل تنظيم الدولة الإسلامية إعلاميًا ودعويًا، بداية من ظهور مؤسس اللبنة الأولى للتنظيم، وهو الجهادي الأردني أبو مصعب الزرقاوي، فالزرقاوي كان يحتفظ بتاريخ إجرامي مكشوف للعيان في السجلات الأمنية لدى القضاء الأردني، ولدى جيرانه في مدينة الزرقاء الأردنية، والوشوم التي على جسده بقية شاهدة على ماضيه حتى مماته، وكانت إحدى العلامات التي دلت الأمريكان على جثته عند مقتله، لذلك كان من الصعب على مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن قبول بيعة الزرقاوي له كقيادي لفرع تنظيم القاعدة في العراق؛ فتاريخ الزرقاوي كان أحد النقاط المتحفظ عليها من قبل السلفية العالمية، وما أن بدأ الزرقاوي التحرك على الأرض العراقية كقائد لفرع تنظيم القاعدة في العراق إبان الغزو الأمريكي للنظام العراقي بقيادة صدام حسين في عام 2003، حتى بدأ الصدام الدعوي والتكتيكي بين الرجلين يظهر للعيان، فهجمات الزرقاوي على الأسواق والتجمعات الشيعية كانت تغيظ ابن لادن فالزرقاوي هو أحد أكثر الأسباب التي خلقت العداء المسلح بين رجال القاعدة وأتباع الطائفة الشيعية في المنطقة والعالم، خاصةً أن الشيعة في أفغانستان حيث يتواجد أسامة بن لادن كانوا على وفاق إلى حد معين مع القاعدة في الرغبة في مقاومة التواجد العسكري الأمريكي في أفغانستان.

وأما فيما يخص نقاط الفشل الدعوي والإعلامي لتنظيم الدولة في عهد البغدادي فكانت أحد أكثر الأسباب التي أدت إلى زوال تنظيم الدولة بلا عودة، فتنظيم الدولة بقيادة البغدادي وجد نفسه في أكثر بقعة على وجه الأرض ملائمة له لكي يبسط نفوذه وينشر معتقداته لأنه تواجد في دولة عراقية يحكمها التقاسم الطائفي والعرقي للسلطة في ظل تهميش أتباع طائفة الرئيس الراحل صدام حسين، فالطائفة السنية في العراق فيما بعد نظام صدام حسين بقية مهمشة وبعيدة عن مراكز صنع القرار في الدولة على عكس الطائفة الشيعية والقومية الكردية، فالأمريكيون كانوا يؤسسون لعراق شيعي فيما بعد مرحلة صدام حسين، وسمحوا للإيرانيين أن يبسطوا نفوذهم على الدولة العراقية الحديثة، حتى يضمنوا ذلك التهميش المرجو لأهل السنة.

وقد لاحظ العالم أجمع هذا التهميش للطائفة السنية ومناطق سكناهم في العراق، فكان من السهل على البغدادي أن يحشد ويجيش المدن السنية للالتفاف حول رايته، ولكن البغدادي على الجانب الدعوي لم يكتف بحث أتباع الطائفة السنية على المطالبة بحقوقهم، ولكنه كان يجيشهم لكي يقتلوا ويعتدوا على كل من هو مختلف عنهم في المعتقدات، وحتى كل من هو لا يأتمر بأمر التنظيم؛ فخلق لأتباعه الكثير من الأعداء، ولم يكتف البغدادي بحث أتباعه على مقاتلة من يختلف معهم في وجهات النظر على الأرض العر اقية، بل تعدى ذلك حث المتعاطفين معه في كل بقعة على وجه الأرض في مهاجمة أية قوات حكومية كانت، وتعدى الأمر في مهاجمة أي رعايا دولة إن كانوا غير مسلمين.

وأوجه الفشل الدعائي الأخرى للتنظيم هي طريقة تطبيقه للقصاص، فكان يحرص على التعزير بضحاياه، سواء كانوا من أتباعه أم أعدائه، فكان ينشر المقاطع المصورة لضحاياه أثناء تطبيق نظام القصاص عليهم، وأحد أكثر الأفعال التي ساهمت في فضح أيدلوجية التنظيم، وكانت الفيصل في حسم أمر الأشخاص الذين كانوا مترددين فيما بين التعاطف مع التنظيم أو الاصطفاف مع التحالف العربي ضد التنظيم هي حادثة إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة الذي وقع أسيرًا في يد التنظيم في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2014.

وأخيرًا سنتحدث عن أكبر فضيحة إعلامية، وهي السبب الرئيس الذي ساهم في زوال التنظيم إلى الأبد على شكله ومسماه الحالي، وهو إعلان التنظيم كخلافة إسلامية في عام 2014، فالتنظيم كان يسعى من وراء إعلان نفسة كدولة خلافة إلى إفراغ الساحة العالمية من كل جماعات السلفية الجهادية، ومن ضمنهم تنظيم القاعدة الذي أسسه أسامة بن لادن، فتنظيم الدولة – كما يعرف الجميع – خرج من رحم تنظيم القاعدة؛ لأن القاعدة أشبه بمؤسسة ترخيص الجماعات السلفية الجهادية في زمننا هذا.

وتنظيم الدولة لم يجد طريقة أخرى لاحتلال هذه المكانة إلا إعلان دولة خلافة إسلامية يدغدغ بها مشاعر المسلمين في كل أنحاء العالم، فوجد لنفسه أفرع عسكرية في عديد من البلدان الإسلامية كمصر وليبيا واليمن وغيرها، ولكن التنظيم على ما يبدو أصابه جنون العظمة بإعلانه عن نفسه كدولة خلافة؛ لأن جميع الخلافات الإسلامية السابقة كانت عبارة عن قوى عالمية عظمى، وليست مجرد ميليشيات عسكرية تسيطر على بقعة من الأرض تعمها الفوضى، فحتى حكومة طالبان في تسعينات القرن الماضي لم تقدم على هذه الخطوة لمعرفتها بعواقبها، لذلك كان بإمكان طالبان ممارسة المقاومة المسلحة ضد أعدائها على الأرض الأفغانية كمليشيا عسكرية.

وإذا أردنا الحديث عن أقرب منافسي تنظيم دولة الخلافة المزعومة على الأرض السورية فنحن نتكلم عن جبهة النصرة التي كانت ترتبط بعلاقة غير مركزية مع تنظيم القاعدة، لذلك كان من السهل عليها فك الإرتباط مع تنظيم القاعدة بدون وجود مشاكل وتبادل للاتهامات فيما بينهم، على عكس ما حدث بين تنظيم البغدادي وتنظيم القاعدة، وكان من السهل أيضًا على جبهة النصرة تغيير مسماها فيما بعد إلى جبهة تحرير الشام، والتحالف مع تشكيلات عسكرية أخرى بدون المطالبة بزوال أي من هذه التكتلات وانخراطها في تنظيم النصرة، لذلك فإن تنظيم الدولة بقيادة البغدادي تم القضاء عليه، ولن يستطيع الوقوف على قدميه مرة أخرى؛ لأن سقوط عاصمة الدولة، وهي مدينة الرقة السورية بيد قوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد والمدعومة من قبل أمريكا يعني سقوط دولة الخلافة، فالبغدادي لا يستطيع تغيير مسمى الخلافة إلى مسمى آخر أقل قيمة من مسمى دولة الخلافة.

وأخيرًا فإننا لا نقول بأن الإرهاب في دولة العراق انتهى، ولكن تنظيم البغدادي هو الذي انتهى، أو بالأحرى هو الذي أنهى نفسه، فالإرهاب سيبقى موجودًا، ولكن بوجود قيادة أخرى غير قيادات البغدادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد