قد لا يكون دخول السجن أمرًا غير ذي بال في بلدان العالم؛ لأنه جزء من تكوين المجتمعات والدول، ووسيلة قانونية لا يمكن لأحد أن يجادل حولها، وحول فاعليتها في الترويض والإصلاح والعقاب، وقد خضع السجن عبر التاريخ لتحولات جعلته على الشكل الذي هو عليه الآن شكلًا ومضمونًا، ففي عصرنا الحديث وقبل تفشي ثقافة حقوق الإنسان بعد سقوط جدار برلين، وهيمنة النموذج الأوروبي في إنشاء السجون وتدبيرها تطالعنا شهادات معتقلين سياسيين مروا بتجربة السجن السياسي، حيث يعتقل الناس لآرائهم ومعتقداتهم وأنشطتهم الثقافية والسياسية، وليس لارتكابهم جرائم تمس الحق العام؛ أي الممتلكات والرموز والأشخاص.

السجن السياسي ليس صنعة تحتكرها دولة واحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولا ماركة مسجلة باسم نظام واحد، وإنما هو فن تتقنه جميع هذه الدول، وإن بدرجات مختلفة، ففي إبان الحرب الباردة وقبل أن يكون للعالم الغربي ضمير، أي قبل أن ترتبط مصالحه بثقافة حقوق الإنسان كانت هذه الرقعة الممتدة من المحيط إلى الخليج سجنًا كبيرًا تمارس فيها كل أنواع الإخضاع والتنكيل لتمجيد الحكام وتماسك أنظمتهم والإبقاء على هالتهم الكبيرة والمشعة، وإن على أشلاء رجال شرفاء لا يريدون إلا خدمة بلدانهم، وتوزيع ثرواتها بشكل عادل، وتحقيق إنسانية الإنسان، عدلًا وضبطًا ديمقراطيًّا للأمور.

كان ذلك الجيل من المناضلين متشبعين بفكرة نحن بعيدون عنها الآن، وهي العدالة الاجتماعية والمساواة وإن في ظل الاشتراكية والثورة، كانوا حالمين نظروا للأمور كما فعل ماركس وأنجلز وكما كان يفعل كل الاشتراكيين في العالم، أن الفلاح والعامل هما اللذان سيرثان العالم، وأن الفقراء وجيش البروليتاريا هم جيش الرب المختار، لا شيء من ذلك تحقق، وذلك موضوع آخر، لأن ما يهم هو أن نصف هؤلاء في زمانهم قد ملأ الزنازين، بينما اختفى النصف الآخر قتلًا أو تشريدًا ونفيًا.

كان هؤلاء محاربين من كل جهة، حتى من الطرف الذي يدافعون عنه لأن فكرة الإلحاد وصمتهم جعلتهم منبوذين من قبل مجتمعات أمية وجاهلة، فالحاكم المؤمن الظالم خير من المناضل الحر العادل، وهكذا لم يكن لهم قبول كبير خصوصًا بعدما جندت الأنظمة الدعاة ودعمت شبكات الإسلاميين لضرب هؤلاء، ولم تمض إلا فترة قصيرة قبل أن يسقط مشروعهم وينتصر الطرف الآخر. في المرحلة الفاصلة بين هاتين النقطتين برز السجن السياسي، وظلمات السجن التي مورست فيها كل أشكال التنكيل والتعذيب وامتهان الكرامة البشرية، من التجويع والضرب والصعق إلى انتزاع الأظافر وعصر الخصيتين وصعقهما، ثم الاغتصاب والتعليق في الهواء مربوطًا بخشبة من تحت الركبتين والمرفقين، وإطفاء أعقاب السجائر في كل مكان، كانت كلها إضافة إلى الجلوس على القارورة وسائل الجلادين المفضلة لتعذيب الضحايا.

في التجربة المغربية تم الاعتراف بكل هذا بعد إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، حيث سجلت اعترافات الضحايا ووثقت أساليب التعذيب وحتى شهادات أهالي المختفين تم أخذها وتوثيقها، لكن شهادة واحدة تم إغفالها وهي شهادة الجلاد والمسئول السياسي الذي أعطى الأوامر، لهذا بقيت هذه التجربة مجرد إعلان تجاري، لم تأخذ للمظلوم حقه، ولم تتم محاكمة أحد وحتى توصياتها بقيت مركونة في الأرشيف.

للتعذيب هدف واحد هو الإخضاع، إخضاع السجين عبر إذلاله وإخضاع الأحرار عن طريق التحذير من مصير مماثل، فالابتعاد عن المناطق المحرمة هو السبيل الوحيد للنجاة، لأن النظام وحده القادر على تفسير معاني الديمقراطية والعدالة والشفافية (ولو عبر تجريمها) وهو الوحيد الذي يعرف كيفية توزيع الثروة والتخطيط للمستقبل، وكل من يدلي برأيه فهو سفيه ومارق يتدخل فيما لا يعنيه، وهذا هو عين الفجور والكفر بالنعمة، فالعيش في ظل الأمير أو الشيخ أو الرئيس هو نعمة ومنة لا يمكن بحال إلا تمجيدها والرضا بها.

في السجن السياسي المغربي، كان الجلاد يأمر السجين بالجلوس على قارورة قد تكون زجاجية أو بلاستيكية أو حتى حديدية، لأنها في تصميمها تشبه القضيب وقابلة لاختراق الشرج، وحين يمتنع السجين يتم ضربه حتى يمتثل للأمر لأن الجلوس طواعية هو أشد أنواع الإذلال وقمة تحقق السادية فإن تمنع السجين يتم إدخال القارورة رغما عنه في مؤخرته، إن هذا التعذيب هو نفسي أكثر منه جسدي، رغم الألم الذي يصاحبه إلا أنه أخف مثلًا من اقتلاع الأظافر لكن الأشكال الأخرى لا تحقق التأثير اللازم في نفوس الناس خارج أسوار السجن.

يتضح هذا الأمر أكثر حين نفهم علاقة المغربي بمؤخرته في الثقافة الشعبية، فكل النكات وكل العبارات التي ترمي تحقير الأفراد الذكور تربط بينهم ومؤخرتهم بشكل ما، لأنها تشكل كنزًا لا يمكن بحال التفريط فيه، أو لنقل أنها بكارة الرجل وإذا تعرضت للأذى فإن قيمة الرجل تنحط للحضيض، وحتى في العلاقات المثلية يكون لوضع الفاعل مكانة أفضل من المفعول به، ورغم تساويهما في نوع الفعل إلا أن الثاني يعتبر كائنًا لا يرتقي لمستوى الآدمية وغير معتبر ولا رأي له ودونيته لا تصل حتى لمرتبة المرأة، لهذا يجهد هذا الأخير لإخفاء ميوله والعمل بسرية لإرضاء رغباته، لكنه نادرًا ما ينجح في إخفاء ميوله، لأن الأعين تترصد وكل فعل مخنث يكشف عن طبيعة صاحبه. إن هذه التعقيدات تدفع الناس للذود عن أنفسهم بإبراز فحولتهم بإكثار الأولاد وتنويع الزيجات، أو العمل على تحطيم أعدائهم عبر وصمهم بالعجز الجنسي أو المثلية، خصوصًا الطرف المفعول به، وهذه قمة الإهانة لشخص الرجل المغربي.

السلطة لم تأت من المريخ بل هي وليدة هذه البيئة، أو لنقل هي العنصر المستفيد من كل هذه التناقضات لهذا لعبت بها لفترة طويلة، خصوصًا في معتقلاتها السياسية، حتى أن السجن السياسي في أذهان المغاربة اليوم يرتبط بالقارورة، ورغم كل التأكيدات الرسمية على انتهاء هذه الحقبة إلا أن الناس يواصلون الحديث عنها وعن الاستمرار في استعمالها وهي بذلك أداة السلطوية الممتازة للتخويف، لكن كيف لا يحدث ذلك وكلنا نعرف ما وقع للمعتقلين تحت طائلة قانون الإرهاب والذين تخلى عنهم الجميع؟ إلا فئة من الحقوقيين الذين نقلوا معاناتهم للعالم ودافعوا عن حقوقهم.

المتابعون بتهم إرهابية لا مشروعية لهم، لهذا لا يهتم أحد إن عاشوا أو ماتوا أو تعرضوا للتعذيب، لأن مشرعهم قائم أساسًا على استبدال أعمدة الدولة عن طريق زعزعة الاستقرار وخلق الفوضى وبث الرعب، لكن القليلين يعلمون أن الدولة وحدها المستفيدة من هذا الوضع لأنها تحقق الإجماع حولها وحول أجهزتها، لهذا تضخم العمل الإرهابي ليكون في مستوى أكبر من حجمه، وهنا يدخل منفذو هذه الأعمال الإجرامية خانة المغضوب عليهم الذين لا يمكن بحال العفو عنهم ما لم يتخلوا عن أفكارهم والذين يجوز تعذيبهم، إن وضع هؤلاء يشبه وضع اليساريين فيما سبق رغم اختلاف المرجعيات وحتى الوسائل والأهداف، فاليسار كان سلميًّا ينشد التغيير عن طريق العمل النقابي والتعليم وبث الثورة في نفوس الناس بينما هؤلاء يعمدون إلى تأزيم الوضع عن طريق العنف والعودة إلى الوراء خطوات إضافية، ربما لأن تشدد السلطة غير كافٍ بالنسبة لهم؛ ولأن مظاهر الحداثة والعلمانية بادية في مؤسسات الدولة، ولأنهم قادمون من عالم الفقر والهامش فالتغيير بالنسبة لهم لا يتم إلا بالعنف.

ليس في مصلحة أحد مناقشة جذور أزمة الإرهاب لأن كل طرف سيجد أن له دورًا في ذلك، لهذا تلجأ الأنظمة وليس في المغرب فقط إلى الاعتقال لمواجهة الوضع بالعقاب والعنف، لأن أمريكا نفسها تفعل ذلك ولأن أوروبا لا تبالي بالوسيلة ما دامت تبعد شبح الإرهاب عنها فكل شيء مباح، وفي شهادات معتقلي غوانتامو ما يغني في معرفة سبل التعذيب، وكذا في ما تنشره وسائل الإعلام العالمية وتقارير الهيئات الحقوقية عن فضائح حقوق الإنسان في العالم ما يغني اللبيب لمعرفة ما يحدث في هذا العالم المأزوم، إن الغرب بحربه على الإرهاب قد منح للأنظمة المتسلطة غطاء لممارسة القمع على الإرهابي والمعارض السياسي سواء بسواء، أو ربما على الأخير أكثر من الأول، ما دام يملك الحجة أكثر من الأسلحة والجنود، وما دام واعيًا أن التغيير يبدأ بتوعية الناس، والبناء خطوة بخطوة، وبالانفتاح على العالم.

و لهذا فالمؤكد أن المعتقلين على ذمة قانون الإرهاب قد ذاقوا مرارة القارورة، وانقلبت عليهم معارضتهم لليسار وتشريعهم كل التجاوزات في حقهم وتكفيرهم له في الستينات والسبعينات وربما حتى اليوم، وهذا صراع آخر لكن حين ننظر إلى جهة المستفيد منه نجد السلطوية، الإقطاعية، وكل مظاهر التخلف، إلا أن الخاسر الأكبر هو الوطن الذي تحول لمجرد حلبة صراع لضبط التوازنات من طرف السلطة، بين كل القوى المختلفة والتي لها مشاريع متعارضة ورؤى متنافرة للعالم والمستقبل، وهذا هو بالضبط دور راعي الغنم، أن يسوقه ويرجع الشارد منه إلى القطيع بالحجارة والعصي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد