كعادتي، كنت أتابع الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، وصدفة قابلني منشور لشخص ما يتحدث فيه عن البساطة مع الله على حد قوله، لكني بعد الانتهاء من قراءة المنشور وجدته بعيد كل البعد عن البساطة!

كاتب المنشور كان يتحدث عن أشخاص وصفهم بالبساطة، كما وصف إيمانهم بالإيمان البسيط وتمنى أن يرزقه الله تعالى نفس إيمانهم البسيط!

(1)

قال الكاتب: «مرة نشرت بوست عن راجل عجوز بسيط سمعته وأنا راكب القطر وهو بيدعي ربنا وبيقول: استرها معايا يا رب وحياة أبوك.

البوست دا خلى ناس كتير في التعليقات اتكلمت عن نفس الحالة، حالة الشخص البسيط اللي بيدعي ربنا بأسلوبه، من غير تزويق ولا لف ودوران، بل كان في التعليقات حاجات أعمق وأبسط.

كان فيه تعليق لـ…، كتبت فيه إنها كانت عاملة موضوع عن «الله عند الغلابة»، كتبت فيه عن ست صعيدية بتصحى كل يوم الصبح تقول: «صباح الخير يا رب»، وجدّة صديقة ليها كانت بتغلط في التشهُّد في الصلاة، ولما حفيدتها حاولت تصلّحها لها ردّت عليها: «النبي بيزورني كل يوم في المنام، لو كنت باغلط فيها كان صحّحهالي».

أما … فقال إن له صديق كان مخلف بنت، وأم صديقه كانت عمالة تزنّ عايزاه يخلّف ولد، وبعدين زوجته حملت، فرفض يعمل سونار لحد يوم الولادة، فخد عربيته وراح قعد ع البحر وبص للسمال وقال: «هاقول لك إيه يعني؟ ما أنت عارف، ماتزعّلش أمي». جاب توأم ولاد.

بالإضافة لتعليق … عن العجلاتي اللي اشتغل كتير في يوم من الأيام وكسب كتير، فبص للسما وقال: «والله أنت أجدع رب شُفته في حياتي.. والله أنت رجولة».

أما التعبير اللي أعتقد المفروض يتبروز في وسط كل التعبيرات اللي فاتت، فكان لستّ عجوز كتب عنها إنها قالت وهي بتدعي ربنا: «يا رب أنت مش عارفني؟ أنا خالتك أم منجي».

في الحقيقة أنا كل ما أشوف التعبيرات دي وأستشعر البساطة اللي عند الناس دي في التعبير عن الله والتواصل معاه، باحس بتضاؤل شديد قوي في نفسي، وبتضاؤل أشدّ في كل «وُكلاء» الرب على الأرض.
اللهم ارزقنا إيمان البسطاء».

(2)

الحقيقة أنني بعد الانتهاء من قراءة هذا المنشور اصابتني صدمة! هل أصبح الجهل بساطة؟ هل قُلبت الموازين لهذه الدرجة؟ هل أصبحنا لا نخاف الله لهذه الدرجة!

كلامي ليس عن هؤلاء الأشخاص الجاهلين بأبسط امور الدين، فلهم عذرهم وهو جهلهم في زمان قلت فيه وسائل المعرفة!

كلامي عن المتعلم، كاتب المنشور، لماذا يتمنى جهل هؤلاء الأشخاص على الرغم من أنه يجلس على أعظم وسيلة للمعرفة! ما هي حجتك أمام الله عندما تدعوه بأسماء ليست من أسمائه، وصفات ليست من صفاته، وماهي حجتك عندما يخونك لسانك فتتلفظ بعبارات تستوجب التوبة لأن ظاهرها شرك بالله!

الحقيقة أنا لا أهاجم البساطة مع الله، ومن منّا لا يحب البساطة مع خالقه! لكن أهاجم الجهل بالله وبأسمائه وصفاته، فالبساطة لا تتنافى أبدًا مع الأدب! فهناك فرق واضح بين من يفتح قلبه لله بألفاظ عامية وبسيطة، وبين من يتجرأ على الله فيقول «يارب وحياة ابوك» و«أنت أجدع رب» و«أنا خالتك» فهذه عبارات ظاهرها شرك بالله، تعالى الله عما يصفون.

إن لله تعالى أسماء وصفات لابد أن يلتزم بها المتعلم المثقف، الذي يتعلم اللغة ويتثقف في جميع العلوم،

قال تعالى «وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا»

فالعلم بأسماء الله تعالى وصفاته من الأمور التي لا يسع للمسلم جهلها خصوصًا في زمن المعرفة، كما أن من آداب الدعاء «تعظيم الخالق» وتعظيم الخالق يتنافى مع ما تم ذكره. أما هؤلاء غير المتعلمين وكان زمانهم قليلة فيه وسائل المعرفة فلهم عذرهم!

أما عن الأعرابي الذي ضاعت ناقته وسط الصحراء وعليها كل ما يملك وعندما وجدها قال من شدة الفرح أنت عبدي وأنا ربك، وغُفر له، فهناك فرق كبير بين الارتباك من شدة الفرحة، وبين القصد والتوجه إلى الدعاء بهذه الألفاظ!

اعبدوا الله بما أراده الله.

ثم إن الله تعالى أمر أصحاب رسول الله بالتأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: «لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» النور63

فمن باب أولى التأدب مع الله تعالى!

(3)

ثم صدمني رد من أحد الأشخاص على تعليق يهاجم المنشور، يقول صاحب الرد فيه: «لو حابب يبقى تعاملك مع ربك تعامل عبيد وخوف ده اختيارك أنت حر فيه، لكن متكفرش غيرك علشان بيتعامل بحب ومودة»! نحن عبيد إلى الله بالفعل! الله خالقنا! وشعور المسلم بالعبودية تجاه خالقه درجة من درجات الإيمان. غير أن صاحب التعليق لا يعلم أن مفهوم حب الله هو الخوف منه تعالى!
الحب في الله يعني أن تخاف منه! ثم إني لم أستوعب كيف يتعامل مع الله بمودة فهل يعقل أن يتعامل مع الله بعكسها؟!

واضح أن الجهل بأصول العقيدة أصبح منتشرًا جدًّا وإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم صدمني تعليق آخر من أحدهم يقول فيه: «وهيبة وجلالة الله لازم رجعوها»، وأريد أن أفهم، من الذي أقنعه بأن هيبته تعالى وجلالته ضاعت كي يلزم رجوعها!

في النهاية، واضح أن الموازين قُلبت في كل شيء، وواضح أن الإقبال على تعلم العقيدة وأصولها أصبح قليلًا جدًّا، وواضح أننا نسعى إلى الجهل ونصفه بالبساطة بدلًا من أن نتعلم ونُعلِم الجاهل ما نعلم! أسأل الله تعالى أن يعلمنا ويفقهنا في دينه، وأستعيذ بالله تعالى من الجهل، ومن نواقض تنقض إيماننا بطريق غير مباشر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد