في الآونة الأخيرة نجد حالة من التيه الذي يعاني منها الإسلاميون عمومًا، والشباب منهم خاصة، ما بين حالات الجمود الفكرية أو التحرر والمراجعات والانتقادات، خاصة بعد الهزائم الأخيرة المتكررة التي تعرضت لها الحركة الإسلامية، وأبرز هذه المشاكل هي المثالية الزائده التي تربى عليها الإسلاميون في محاضنهم الدعوية والتربوية في كل المجالات، خاصة المجال السياسي، فتظل هذه الأفكار حبيسة العقول إلى أن ينمو هؤلاء الشباب، فيصطدموا بعالم لا يحكمه أي من هذه الأفكار، ولا سبيل للوصل إليها حاليًا على الأقل، وتظل هذه الأفكار مجالات للحكم على أي تصرف أو فكرة أو ممارسة في العموم، سواء كان إسلاميًا أو غير إسلامي.

فالمتتبع للتاريخ الإسلامي لن يجد صورة مثالية للتعامل السياسي إلا في عصر النبي محمد عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين، بينما بعد ذلك تتساقط هذه الصورة، فعلى سبيل المثال الدولة الأموية هي دولة عظيمة، لكنها قامت على الدماء والبطش والقوة حتى أنها قتلت صحابة الرسول من الحسين بن علي إلى عبد الله بن الزبير وضربت الكعبة بالمجانيق، كل ذلك لا لشيء إلا لتوطيد حكمها، وتبعها علي نفس الصورة الدولة العباسية فهي قامت أيضًا على دماء أبناء أمية، حتى في حالة الدولة العثمانية سنجد صورًا مثل هذه كسلطان يقتل إخوته أو غيرها من الصور في التاريخ الإسلامي، ورغم كل هذا لا يستطيع أحد أن ينكر دور هذه الدول وفضلها على الإسلام في نشر الدين في جوانب العالم الأربعة، وما أنتجته من حضارة وثقافات وعلوم وسلاطين عظماء، وفي الحقيقة لو نظرنا لهذه الأمور بنظره مثالية، فربما لم نكن لنسمع عن هذه الدول، ورغم عدم تأييدي لمعظم هذه الحوادث، إلا أنها كانت ضرورة سياسية لبقاء هذه الدول.

وفي عصرنا الحديث، وليس ببعيد عنا ما حدث في مصر من تولي الإسلاميين للحكم، ثم الانقلاب عليهم سريعًا، فإذا نظرنا لطريقة تعامل الإسلاميين مع خصومهم نجد فيها مثالية غريبة، لقد كانوا يتعاملون مع العسكر بمبدأ إحسان الظن حتى آخر يوم رغم تاريخ الكراهية بين العسكر والإسلاميين، ورغم ما عرفوه عن العسكر من شواهد وممارسات تثبت أنهم خصوم وليسوا أصدقاء. وعلى الجانب الآخر نجد أردوغان ورفاقه وبعد عدة محاولات فاشلة قام بتغيير الاستراتيجية في التعامل مع العسكر من التردرج ومجارتهم إلى تفتيتهم ومحاسبتهم، ورغم كل ذلك لم يمنعهم من محاولة الانقلاب عليه مؤخرًا إلا أنه قد بنى لنفسه ذراعًا شعبيًا وآخر أمنيًا استطاع من خلاله اسقاط الانقلاب، ورغم واقعية أردوغان، ورغم انتفاد بعض الإسلاميين له إلا أنه يعتبر لمعظم الٱسلاميين النموذج الأنجح والأفضل لهم، ولم تنف إسلاميته أو اهتمامه بقضايا أمته، بل على العكس حول اتجاه أوروبا من الغرب إلى العمق الإسلامي، وواقعية أردوغان تكمن في ذكائه وحسن استغلال الفرص والمناورة بين الأعداء.

في الحقيقة الواقعية السياسية لا تنفي المبادئ أو تغير في الأفكار أو تلوث أصحابها، ولكن الفكرة هي التعامل مع السياسة بأدواتها، خاصة في ظل نظام عالمي معاد لكل ما هو إسلامي ولا يعترف إلا بالقوة، لذلك لا بد من تصحيح المفاهيم والفصل الحقيقي بين فكره أن تكون داعية أو أن تكون سياسيًا، لذلك فإذا أراد الإسلاميون النجاح، فجزء من النجاح هو الفصل بين العمل الحزبي السياسي والنشاطات الدعوية، بالإضافة إلى استخدام الكفاءات والكوادر ووضع الرجل المناسب في مكانه الصحيح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد