علينا أن نتفق أن العسكر إحدى الأدوات المحبذة لدى الأنظمة الشمولية للسيطرة ومسك مقاليد السلطة، وهناك وسائل أخرى ترتفع أهميتها أو تقل بالنسبة للعسكر تبعًا لطريقة توظيفها (الطبقة المثقفة، الحزب…).

لا شك أن الأنظمة العسكرية وُجدت في العالم أجمع، ولكن صارت النظام السائد في الكثير من الدول العربية، مثل مصر وسوريا والجزائر، والجيش يمثل عائقًا أمام الحريات والتعددية، كما أنه عبء ثقيل يحول دون التقدم والتطور؛ نظرًا للنفقات الكبيرة التي تتطلبها العساكر، فبدل أن يكون توجه الدولة متوجهًا لعلاج مشاكل التنمية والفقر، يصير كل همها خلاص أجور العسكر، لنأخذ مثلا الجيش السوري الذي مثل 20% من الطاقة البشرية في سوريا خلال الثمانينات، وقُدر عدد الجنود بـ 500 ألف جندي، أما في كوريا الجنوبية فقد بلغ عدد الجنود 650 ألف جندي، وبلغت نفقات الدولة على جهاز العسكر ثلث النفقات، وهي نسبة كبيرة، ولا شك أن مثل تلك النفقات تنعكس على المستوى المعيشي، وتلجأ الدول لرفع الضرائب وترفع الدعم عن المواد الأولية.

وليست الأعباء المادية وحدها مخلفات الأنظمة العسكرية، فهناك مخلفات معنوية؛ إذ تصبح الحريات مقيدة، وتغيب أبسط الحريات المدنية والأنشطة الفكرية، ولا أحد بإمكانه تخيل حجم الانتهاكات القمعية التي تمارسها الأنظمة العسكرية؛ فهي تفتقد المرونة، ولا تعترف سوى بالقوة والعنف في تعاملها مع المواطنين، وعادة ما ينتهي فض الاعتصامات بمجازر، كما هو حال عسكر الانقلاب المصري.

تتمتع الأنظمة العسكرية بثقل كبير، وعادة تصطدم الثورات بها وتخفق في مجابهتها، ولكن هل هذا هو السبب الوحيد الذي يمنع الشعوب من زعزعتها؟ لماذا لا يكون الضعف من المعارضة ذاتها التي لا تكون في مستوى الدور الملقى على عاتقها؟

حينما يحكم النظام العسكري عقودًا طويلة تستمر ثلاثين سنة؛ فنحن إزاء معارضة غائبة ومتخاذلة ومتواطئة، لا شك أن انهيار نظام عسكري أو خروجه من دواليب السلطة يستوجب معارضة تقف ندًّا له، وهذا ما فعلته المعارضة في كوريا الجنوبية المتمثلة في الحزب الكوري الديمقراطي، الذي توحد مع قوى معارضة أخرى وأجبر النظام على تعديل الدستور، والقيام بانتخابات رئاسية حرة.

حين تسمع بعض الفنانين يتغنون بجيش الانقلاب، وحين تسمع بعض المثقفين يصفقون للعساكر التي سفكت الدماء، تفهم الوجه الآخر للمأساة، وهنا نتساءل أين المثقف العربي من الثورات؟ لماذا لم نسمع له ركزًا؟ بل شاهدناه في مقدمة العسكر وطلائع الجيش، ولعلي أستحضر هنا واقعة حصلت بين بيتهوفن ونابليون بونابرت؛ فقد كان الموسيقار بيتهوفن معجبًا بشخصية نابليون، وأزمع أن يهديه سيمفونية لحنها على شاكلة سيمفونياته الخالدة، وسماها البطل، ولكن وصله خبر أن نابليون تسلم تاج الإمبراطورية الفرنسية؛ فغضب بيتهوفن ومزق اللحن الذي كتبه؛ لأنه اكتشف أن نابليون مثله مثل الذين يطمعون في السلطة ودحر الناس، ولا يلتفتون للمآسي التي يسببونها بتجبرهم، وهذه قيمة الفنان الذي يتخذ مواقف ولا يساير الظالمين، كثيرون اغتروا بشخصية نابليون العسكرية ومجدت عبقريته، لنأخذ مثالًا آخر تأثر بنابليون في تلك الأزمنة، ولنقارنه بموقف بيتهوفن، ماري كارولين كانت زوجة أحد الأمراء البوربون المالكة، ورغم أن نابليون يُعد عدوًا لهم، ورغم ما كان يمثله النظام الجمهوري من تهديد، فإن ماري كارولين كانت من المعجبات بنابليون وتمنت بقاءه على رأس الإمبراطورية الفرنسية، فلنقارن بين الموقفين، وسنعرف قيمة الفنان في زمنه.

لا عذر للفنان لأنه أكثر الناس رهافة وحسًّا؛ لهذا انتبه بيتهوفن إلى ما لم تنتبه إليه ماري، وهنا يأتي دور الفنان والمثقف الحقيقي الذي يملك مناعة تجعله غير قابل للاختراق والتوظيف، وغير بعيد عن بيتهوفن نجد الشاعر ملتون الذي ظهر في الثورة الإنجليزية وكان صوتها الحقيقي.

إن الأنظمة العسكرية تتعلل بالاستقرار وتستخدمها ذريعة في هيمنتها على الشعوب، والحقيقة أنها أكثر الأنظمة عُرضة للانقلابات والاهتزازات؛ فقد عرفت سوريا ثمانية انقلابات خلال الستينات، وهذا ما يؤكد أن هذا النظام غير محمودة عواقبه، والمتضرر الوحيد هي الشعوب، ولا مجال للشك أن الأنظمة العسكرية تساوم على الأمن والغذاء مقابل التموقع والحفاظ على وجودها، وكلنا يذكر مجزرة العريش التي جاءت أيامًا بعد استفتاء «علشان نبنيها» وكان أهم بنوده مقاومة الإرهاب.

أنا لا أستغرب حين يفوز شخص مثل السيسي بأغلبية ساحقة؛ فهذه ظاهرة لها أصول تاريخية، كتب عنها أبو الطيب المتنبي في سياق آخر، فقد كان أبو الطيب صديقًا لسيف الدولة أمير حلب ونديمًا له، ووقعت بينهما مشاحنة؛ فهاجر المتنبي إلى مصر التي كان يحكمها وقتذاك كافور الإخشيدي، وكان عبدًا مملوكًا قبل تسلمه ولاية مصر، وفي هذا يقول:

نامت نواطير مصر عن ثعالبها .. فقد بشمن وما تفنى العناقيد

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن .. يُسيء بي فيه عبد وهو محمود

ولا توهمت أن الناس قد فقدوا .. وأن مثل أبي البيضاء موجود

وأن ذا الأسود المثقوب مشفره .. تُطيعه ذي العَضَاريطُ الرعاديد

وفي قصيدة أخرى يقول:

وكم ذا بمصر من المضحكات .. ولكنه ضحك كالبكا

بها نبطي من أهل السواد .. يدرس أنساب أهل الفلا

إننا إذا تحدثنا عن الإجماع المنقطع النظير الذي تخلقه شخصية ما، فلا يسعنا أن ننسى مسألة الكاريزما، وهي ظاهرة نفسية عميقة؛ فلطالما احتشدت الشعوب العربية خلف ما يسمى بالقائد القومي، ولا شك أن الصحافة الكاذبة تساهم في تكوين تلك الظاهرة؛ فتختلق بطولات مزعومة، وتستخدم أساليب ترفع من مقام ذلك القائد لتكتب تاريخًا مزورًا، حتى إذا برزت وثائق تفنده استنفر له الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد