شهد القرن الجاري ثورة رقمية طالت جميع جوانب الحياة، وقلبت العديد من المفاهيم رأسّا على عقب، ولعل الإعلام كان أبرزها، إذ أفضت هذه الثورة الرقمية إلى نشوء ما يُعرف بالإعلام الاجتماعي الرقمي. إذ أصبح العالم سوقًا مفتوحًا أمام الجميع للحصول على المعلومات وتبادلها، وأصبحت الحدود السياسية ووسائل الرقابة التقليدية أدوات بدائية، قليلة الفاعلية في حماية الفرد والمجتمع من تلقي الرسائل الإعلامية والثقافية المختلفة.

وهنا يمكننا القول إن منصات التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها، سواء «فيسبوك» أو «تويتر» أو «يوتيوب» وغيرها، هي من أبرز وجوه هذا النوع من الإعلام، إذ بات لها دور مهم وجوهري في نقل المعلومات، ورسم الصور الذهنية، وبلورة الآراء السياسية، ولعل ما يُعرف بالربيع العربي هو أكبر مثال على ذلك؛ إذ كان لهذه المنصات دور مهم في اندلاع الاحتجاجات الشعبية في دول الشرق الأوسط، لدرجة أنها أصبحت لاعبًا رئيسيًّا في المشهد السياسي الشرق أوسطي، ويتضح ذلك من دورها الكبير في تغطية التطورات والأحداث التي مرّ وما يزال يمرّ بها العالم العربي.

وفي حين أنه لا يمكننا إغفال دورها الإيجابي لكونها منصات مهمة تعكس آراء الأفراد، وتنقل خبراتهم، وتساهم في تشكيل اتجاهاتهم وتوسيع آفاق معرفتهم بالعالم المحيط، فإنه لا يمكننا أيضًا إغفال مدى تأثيرها في الرأي العام فيما يصب في مصلحة فئات محددة على مستوى دول أو حكومات.

فقد بات من المؤكد، وبشكل غير قابل للجدل، التأثير الكبير الذي تحدثه منصات التواصل الاجتماعي في الرأي العام، وتحكمها تحكمًا مباشرًا أو غير مباشر في المجتمعات وتوجيه سلوك أفرادها، الأمر الذي يوفر لمن يملك هذه المنصات، أو يتحكم في مضمونها القوة على التأثير في سير أحداث كبرى شهدتها كثير من الدول، بما فيها الدول التي عاشت ما يسمى بثورات الربيع العربي.

وفي هذا السياق، يمكننا القول إن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت من الركائز الرئيسية التي يقوم عليها الوعي السياسي لشباب المنطقة. ولكن ما هو الوعي السياسي؟

وفق بعض التعريفات وباختصار، فإن الوعي السياسي عند الفرد والمجتمع هو نظرة الإنسان إلى محيطه، وكيف يقرأه، وما يتضمن هذه النظرة من معارف سياسية، وقيم واتجاهات تتيح للإنسان أن يدرك أوضاع مجتمعه ويحللها، ويحكم عليها، ويحدد موقفه منها، وبناءً على هذا الموقف يبدأ العمل لتغييرها وتطويرها أو الحفاظ عليها بشكل يخدم مصلحة معينة. وبناءً على هذا التعريف، فإن الوعي السياسي يساهم في إنتاج الثقافة السياسية العامة التي تتحول في كثير من الأحيان إلى أيديولوجية راسخة لدى العديد من الأجيال اللاحقة، التي قد تتبنى على أساسها فكرًا قد يكون منفتحًا أو متشددًا.

وبالتالي ينطوي الوعي السياسي على دور كبير ومهم في كيفية تهيئة الجماهير والرأي العام لتقبل السياسة العامة والقرارات السياسية للنظم السياسية المختلفة. كما أظهرت الكثير من الدراسات وجود علاقة طردية بين نمو الوعي السياسي لدى الأفراد، وبين تقبل الأفكار الجديدة في المجتمع.

وفي الآونة الأخيرة، برز دور منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي السياسي بوصفها فضاءات مفتوحة، وأدوات توفر المعلومات، وتسهم في تشكيل الآراء، من خلال ما تبثه من أحداث إخبارية ومضامين مختلفة، وتبدو العلاقة وثيقة بين هذه المنصات وبلورة الوعي السياسي، إذ توفر منصات التواصل الاجتماعي منابر للحوار، وطرح الأفكار، وإثارة حماسة الأفراد للمشاركة في الأحداث الجارية، وإدارة شؤون البلاد، ومناقشة سياسات حكوماتهم، والتفكير في الحلول للقضايا العامة.

لذلك نجد أن استخدام منصات التواصل الاجتماعي انتشر انتشارًا كثيفًا بين أوساط الشباب في مختلف أنحاء العالم، وأصبحت تضطلع بدور كبير في إدارة المجتمع من خلال ما تقدمه من أفكار، وموضوعات، ومعلومات تساعد على التوعية والتثقيف، وتكوين صورة معرفية للعالم الذي نعيش فيه، لدرجة أنها أصبحت تعد من عوامل الإدراك المعرفي للشباب؛ لما تقدمه من معلومات يجري توجيهها بالطريقة التي تخدم مصالح جهات محددة، وبالتالي فهي تلعب دورًا بارزًا في تشكيل الوعي السياسي والتحكم فيه.

ونظرًا إلى الكم الهائل من المعلومات والآراء التي تزخر بها هذه المنصات، أصبح الفرد يعيش حالة من الشتات الفكري على الصعيد السياسي، تدفعه في كثير من الأحيان إلى ما يُعرف بالاغتراب السياسي واللامبالاة، إذ ينتابه شعور من الانفصال النسبي عن النظام السياسي السائد وتوجهاته أو رفضه تمامًا. وبالتالي يبدأ رفضه للمعايير والأهداف السياسية التي يتشاركها على نطاق واسع مع أفراد مجتمعه. كما قد يبدأ الشعور بعدم الانتماء إلى هذا المجتمع، ورفضه للمشاركة بأي شكل في كل ما قد يؤثر في المصلحة العامة لهذا المجتمع.

وهنا قد يتساءل البعض: من المستفيد من حالة الاغتراب السياسي هذه التي تعطل مشاركة شريحة كبيرة من المجتمع في إدارة شؤونهم وشؤون بلادهم؟ والإجابة بكل بساطة هي القوى السياسية التي قد تكون خارجية، أو داخلية لها مصالح مع جهات خارجية، حول أهداف مشتركة على الصعيد السياسي والاقتصادي، إذ يسهل عليها تحقيق ما تصبو إليه في ظل غياب معارضة لها قد تعوق من إمكانية تحقيق تلك الأهداف. وهذا أمر ليس بالجديد علينا في العالم العربي، إذ إن كثرة الأحداث التي نشهدها منذ 10 سنوات، وما رافقها من أفكار وآراء وتوجهات، جعلت عددًا كبيرًا من الشباب يختارون الابتعاد عن المشهد السياسي العام، سواء بعدم المشاركة فيه بأي شكل، أو الهجرة والابتعاد عن كل ما يجري على الأرض. وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على تنامي شعور اللامبالاة وعدم الانتماء إلى بلدنهم. وبهذا يمكن للقوى المسؤولة عن تعزيز حالة الاغتراب السياسي تحقيق كل ما تسعى إليه في ظل غياب المشاركة الفعالة للشريحة الأهم في المجتمع، وهم الشباب، إذ تعد وسائل التواصل الاجتماعي هي الأداة الأقوى للتأثير فيهم، نتيجة تنامي استخدام الأجيال الصاعدة والشابة لها استخدامًا واسعًا.

فإذن كيف يمكننا تفادي مثل هذه التأثيرات السلبية التي تحيط بالأجيال الصاعدة في العالم الافتراضي؟

تعددت الدراسات حول هذا الشأن، ولكنها عمومًا لم تفلح في إمكانية الحد من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي الآخذ بازدياد أكثر فأكثر كل يوم، وهنا يمكنني القول انطلاقًا مما أراه في العالم العربي وكيفية تفاعل شباب اليوم مع منصات التواصل الاجتماعي، وتأثرهم بها دون وجود رقيب أو وعي، سواء من الأهل أو المجتمع، إنه يجب علينا بالدرجة الأولى سواء الأهل، أو المجتمع المدني، أو الشريحة المثقفة والواعية للتأثير السلبي الذي يمكن أن تحدثه هذه المنصات في عقول الشباب، أن نساهم بنشر التوعية على نطاق واسع حول كيفية استخدام مثل هذه المنصات، وكيفية تعاملنا مع كل ما تعرضه من محتوى، إلى جانب تنمية الوعي الثقافي العام لديهم، وشعور الانتماء لأرضهم ومجتمعهم، وهنا لا أقول إننا نحجب مثل هذه المنصات؛ لأننا، وكما ذكرنا سابقًا، لا يمكننا إغفال دورها الإيجابي، ولكن أشدد على فكرة التوعية بكيفية استخدامها، وذلك بعد أن نحرص على تثقيف الأجيال الصاعدة، وتزويدها بأساليب التفكير المنطقي والتحليلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد