ربما لعُقد واضطرابات في الشخصية، أو محاولات لكبت بعض الأفكار الغريبة، أو غير الاعتيادية وقد ترتقي أحيانًا لتكون أفكارًا شاذة يتولد هذا الانحراف النفسي والتشوه السلوكي، والذي يسمى بمرض المازوخية، ويتميز المصابون بهذا المرض بالخضوع والاستمتاع بالاضطهاد والإهانة والألم النفسي، وصولًا إلى الاستمتاع بالألم الجسدي، والذي يؤدي أحيانًا إلى الموت، يُنسب هذا المرض للروائي النمساوي «ليوبولد مازوخ»، والذي كان بدوره يعاني من نفس هذه الأعراض.

في البداية ارتبط هذا المصطلح بالجنس، واستخدمه رواد الطب النفسي في تفسير كثير من مظاهر انحراف الطبيعة البشرية، لكن سرعان ما انتقلت تلك العدوى إلى ميدان السياسة، فأصبحنا نرى نماذج لتكتلات سياسية، سواء كانت أحزابًا سياسية أو جماعات إصلاحية أو حركات ثورية اعتادت تبني خطاب المظلومية والبكائية، حتى عندما سنحت لبعض تلك الكيانات التي أدامت الجلوس في مقاعد المعارضة المضطهدة الفرصة لكي تطرح مشروعها، وتُمسك بزمام الأمور، لم تتخل عن خطابها الكربلائي الذي اعتادت عليه، وكأنها تستمتع وتتلذذ بتلك الحالة من الخنوع والاستسلام والشعور بالقهر، لقد تحولت تلك الحالة عندها إلى مازوخية ملازمة لها لا تنفك عنها.

ومن ناحية أخرى يَستغل الحكام المتسلطون الديكتاتوريون وجود تلك المازوخية إن لم يكونوا هم صانعوها، فيقومون بتغذيتها، ويسعون إلى أن تتفشى في باقي التكتلات السياسية التي لم يصل إليها المرض بعد، وحينها تقوم السلطة المتسلطة بدور السادي، وتقوم الكيانات السياسية المعارضة بدور المازوخي، وهنا تنشأ حالة من الانسجام بينهما، وحالة من الرضا بواقع الأمر؛ بل والاستمتاع به.

وللباحثين عن علاج لتلك المازوخية أقول يكمن العلاج في أحد أمرين: الأول هو إيجاد مصل لهذا الطاعون الذي تفشى في هذه الكيانات، وانتشالها من المستنقع الذي وقعت فيه من خلال اقتحام جيل جديد من السياسيين الشباب الذي لم تصبه عدوى المازوخية، أما إذا استعصى هذا العلاج فلا مناص من اللجوء إلى الحل الآخر، وهو إنتاج تجمعات سياسية جديدة مستقلة عن تلك التي استحوذ عليها المرض لتحتل مكان تلك التي فقد فيها الأمل، لتصنع هي التغيير المنتظر.

من هنا وجب علينا البدء فورًا في مشروع لإعداد جيل جديد من الكوادر السياسية الشابة، والتي ستشكل بدورها جدار الممانعة أمام هذا الطاعون الذي استوطن الحياة السياسية بشكل صارخـ ومن ثَم إحداث تغيير في المشهد السياسيـ وإبراز رقم جديد ومؤثر في المعادلة السياسية.

لذلك نحن بحاجة إلى حالة من تضافر الجهود من الأفراد والمؤسسات التي تمتلك الوعي والرؤية الكاملة لهذا المشهد، والمعرفة بمدى الأضرار الواقعة على الحياة السياسية، ومن ثَم المجتمع ككل، والتي أنتجتها تلك المازوخية التي توغلت وانتشرت في جسد المعارضة السياسية داخل مجتمعاتنا العربية.

ما نحتاج إليه هو جيل جديد من السياسيين يتم إنتاجه خارج هذه الحلقة التي اكتساها الجمود الفكري والحركي، وحالة من الرضا بما تقدمه لها الأنظمة السادية الحاكمة، بعد إنتاج هذا الجيل سنرى مشهدًا مغايرًا لما اعتدنا عليه، مشهد مليء بالحرية والحيوية والتجدد.

هنا يتبقى لنا العامل الأهم لإنجاز هذه المهمة، ألا وهو عامل الوقت، فكلما تأخرنا في الانطلاق بتلك المبادرة، ازدادت تلك المازوخية وتجذرت في أعماق تلك الكيانات السياسية، واستحوذت على التجمعات الجديدة الناشئة، والتي تفتقد إلى الوعي الكافي بهذا الطاعون وأضراره، والتي تكتفي بتلك الصور الذهنية التي رسختها الأنظمة السادية في أذهان الأجيال الجديدة بطبيعية المشهد، وبالتالي التكيف معه.

في الأخير دعونا نحلم لعل أحلام اليوم تصبح في الغد حقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد