يقول والدي وهو خريج روسيا كان هناك مثل شعبي روسي يطلق على الطلبة المبتعثين للدراسة في روسيا في الثمانينات من القرن الماضي: «لا تجد طالبٌا ساهرًا بعد منتصف الليل إلا ثلاثة: روسي يحتسي الخمر، وفيتنامي يقرأ، وعراقي يتحدث في السياسة».

إذ بصورة عامة العراقي تجده محللًا وسياسيًا بالفطرة، ولعل من المفارقة بأن العراقي لم يمارس الحكم أو السياسة بشكل رئيسي أو ممتد لفترات طويلة حتى يبرر هذه الهوس والاهتمام الفطري، إذ من الدولة الأموية إلى العثمانية، كان دور العراقي في الحكم قليلًا في فترات تصل إلى الندرة، ولعل آخرها الدولة العثمانية التي قد ألممتُ إلى حد ما بدراسة وجودها في العراق، كان العراقي آنذاك أبعد ما يكون عن ممارسة النشاط السياسي والحكم وإن وجد قليل جدا في بغداد فقط، أما الألوية الأخرى كانت غالبيتها تحكمهم القبائل وفق الأعراف القبلية، وحتى إبان سقوط الدولة العثمانية، كان النشاط السياسي متأثرًا بالدعوة القومية، التي انطلقت من الدول العربية الأخرى، وكذلك في الفترة التي أعقبتها، كان الاستعمار البريطاني هو المتحكم بالأنشطة السياسية العراقية.

ولهذا يحق لنا التساؤل من اين أتى العراقي بتلك الثقافة الفطرية؟ قد تكون نتيجة كبت أو ردة فعل تجاه الحكومات المتعاقبة، التي لازال يؤمن العراق بأنها شر مطلق تفسير وارد.

عمومًا كأي عراقي أحمل ولعًا ومتابعة للتطورات السياسية ومدمن للقنوات الإخبارية، حاولت بشكل حر أن أتعلم التحليل السياسي دراسة ومنهجًا من خلال الكتب والمحاضرات المتوفرة على شبكة الإنترنت، في الحقيقة لم أكن أتصور علم السياسة والتحليل السياسي بهكذا منهجية دقيقة، وبهكذا تفرع متعدد بعد اطلاع البسيط، أدركت حجم الاغتصاب عفوا التحليل السياسي الذي نمارسه تجاه التطورات السياسية ومجرياتها، لكن سرعان ما تبدد هذا الإدراك عند أول محاولة تطبيق تلك القواعد والأساسيات على الواقع السياسي العراقي، وعلى سبيل المثال:

جماعات الضغط

جبار الجايجي، عشيقة السياسي، وزوجته، والهاكر المغربي الذي اخترق حاسوبه، وشيخ عشيرته، ومسؤوله الحزبي، أو الطرف الخارجي الداعم له، أولئك هل يمكن اعتبارهم ضمن جماعات الضغط «اللوبي»، ليست المعضلة في تصنيف هؤلاء ضمن أي نوع من أنواع جماعة الضغط سواء الفوضوية أو الترابطية أو غير الترابطية أو المؤسسية… إلخ، بقدر أي ضغط يرضخ إليه ذلك السياسي من ضمن أطراف «اللوبي» وما هي نتائج اختيار قرار إرضاءً لطرف من دون آخر وكيف يؤثر على الساحة السياسية والشخصية؟!

السيادة والبيئة الخارجية

تدخلات إيران السافرة في الشأن العراقي، أو بعبارة تحركات وتنقلات قاسم سليماني في المدن العراقية بكل حرية من ديالى إلى الفلوجة، كأنه ساعي بريد يتنقل في المدن الإيرانية، ماذا يمكن أن نفسرها أو نصنفها إذا ما أردنا تحليلًا للقضية، فالتدخل الإيراني وحجم اهتمامه وتأثيره في  الساحة العراقية لا يمكن واقعيًا ومنطقيًا اعتباره ضمن البيئة الخارجية الإقليمية وفق التصنيف السياسي، فالدور الذي يلعبه «سليماني» يفوق دور البيئة الداخلية للسياسة العراقية مجتمعة، أما دولة العم سام نظريًا تصنف ضمن البيئة السياسية الخارجية الدولية، لكن واقعيًا تعتبر ضمن البيئة الداخلية بل أحيانًا تشعر بأن العراق ولاية أمريكية!

حركة النظام السياسي

لطالما وقفت أمام نموذج «دافيد إيستون» محاولًا فهم طبيعة حركة النظام السياسي العراقي لكن بلا جدوى، حتى أصبحت أتساءل ولأشك في صحة هذا النموذج، إذ يقول بأن الجمهور هو العنصر الأكبر المؤثر في استقرار الحكومة، هل الواقع العراقي شاهد على فشل هذا النموذج التجريبي الذي يشرح حركة النظام السياسي لأي دولة، أم أن الواقع السياسي العراقي ونظامه يعتبر إعجازا يخالف هكذا نموذج، إذ لا يوجد أي عراقي بما أولئك في الحكومة من قادة المدخلات يحملون أي رضا عن القرارات الحكومية، فكيف يعتبر إيستون بأن الجمهور هو العنصر المؤثر والعراقيون يلعنون الحكومة صباح مساء ولا يكاد يمر شهر من دون خروج مظاهرات ومع ذلك لم تتأثر حركة النظام السياسي، لا بل أنه يقول إن المدخلات من وإلى الشعب كيف هذا ومجمل العملية السياسية من  مدخلاتها وإلى مخرجتها تصب في مصالح أمريكا وإيران!

تحليل المضمون

أشعر بالشفقة على أي جهاز مخابرات يشكل العراق مصدر خطر على مصالحه أو أنه ضمن أهداف العراق التوسعية، وهم يشاهدون اجتماع الزعيم السياسي «مقتدى الصدر» ببذلته العسكرية في اجتماع عسكري وهو يشرح لهم نظرية «راوح بمكانك» لا اعلم أي ذعر وصعوبة سوف يعانون منها في فك شفرات هذا الخطاب والأصعب في تحديد خطورة نظريته «رواح بمكانك» وماهيته هل هي سلاح بيولوجي أم نووي، أو حتى خطاباته السلمية المدنية مثلًا في مظاهرات التي يدعو إليها بين الحين والآخر دون أي مبرر جوهري أو أي فائدة لتحقيق أهدافها المجهولة (غالبًا)، حيث في آخر المظاهرات التي دعا إليها التي من المفترض أن يلقي فيها خطابًا هامًا يليق بحجم الجدل السياسي الذي أثاره، وبعدد الحضور والقنوات الفضائية التي حضرت، ارتقى زعامته المنصة بعد ارتباك وتعثلم قائلًا: «السلام عليكم أيها المتظاهرون» ثم بعد صمت طويل، وسط هتافات المتظاهرين الحماسية، ليقول «مرخصتكم» تخيل معي أي صعوبة سوف تعاني منها مراكز التحليل والدراسات والدول المهتمة في الشأن العراقي بتحليل أقصر خطاب في العالم عنوانه ومضمونه «مرخصتكم» وما هي الرسائل المخفية التي تضمنها الخطاب!

مدارس التحليل السياسي

صدقًا لا اعرف لأي مدرسة تحليل سياسي علي أن أخضِع تصريحات وزير الخارجية الجعفري كي أصل إلى معنى منطقي ليس إلا، إليك مثالًا في إحدى مؤتمراته الصحفية مع نظيره الإيراني في بغداد قال في معرض إجابته على سؤال حول الحشد الدولي لدعم العراق لمواجهة تنظيم البغدادي: «بلاده مستعدة للانفتاح على أي دولة تريد مساعدة العراق كما أنها تنفتح على داعش وكل أعضائها وعلى أي دولة خارجه وتريد مساندة العراق». ليضيف «عندما زرت نيوزيلندا مؤخرا أبدى مسؤولوها رغبتهم في الانضمام إلى داعش وقد رحبنا بذلك». 

تصور بأن «نيوزيلندا» أبدت رغبتها في الانضمام إلى داعش والعراق يرحب بأي دولة تريد الانفتاح على داعش، أي صدمة سوف يصاب بها مدراء مراكز الدراسات والتحليلات السياسية عند الاستماع لهكذا تصريحات، أما التصريحات الأخرى أمثال «المارد القمم، وشهونة العقل وعقلنت الشهوة» تعتبر طلاسم تحتاج ساحرًا لفهم معانيها وليس محللا سياسيا!

المؤسسات الدستورية

عندما تشاهد تصريح رافع العيساوي وزير المالية السابق في نيسان 2013 بأن «لديه ملفات موثقة واسطوانات بالصورة والصوت تكشف فضائح أخلاقية ستسود وجوهًا وتسقط عروشًا وستطيح بكثير من الرؤوس الكبيرة بالحكومة الحالية، مضيفًا بأن الملفات التي امتلكها سأسلمها إلى المرجعية الدينية بالنجف وأضعها بين يديها والتي أثق بها سوف يقيمون برمي السياسيين بالشارع بعد أن تطلع عليها المرجعية».

بغض النظر عن حقيقة هذا التهديد، وهل يمكن اعتباره ابتزازًا أو إفلاسًا سياسيًا، وما الدوافع لمثل هكذا تصريحات، لكن أول ما يجذب انتباه المحلل السياسي المنهجي أولا المرجعية الدينية التي يحمل لها «العيساوي» ثقة مفرطة، ما دورها لكي يسلمها هكذا ملفات، وبأي صفة قانونية، وايضًا بأي صفة سوف تقوم برمي رفاقه السياسيين؟ وإلى الآن لا زلت – منذ مشاهدتي تصريح العيساوي – لم أجد جوابًا لبديهيات التحليل السياسي (ماذا حدث، لماذا حدث) إذ سؤال «ماذا» وجدت جوابه تقريبًا نتيجة إعفائه من المنصب، إما لماذا لم يعط الأقراص ولماذا يعتبر المرجعية صفة أقوى وأشد تأثيرا من القضاء، ولماذا الملفات لم تطح رؤوسا لم أجد جوابًا لازلت أتساءل.

لكن جديا العلم السياسي علم حديث ودراسته غالبها أسست وتتحدث عن دول الغرب وانطلق هكذا مبدأ، أو بعبارة الدول الحرة فمن الصعوبة تطبيقها في التحليل السياسي العربي، وخاصة نحن في ظل حكام وحكومات تبعية بجدارة، فهكذا علم لا يصلح لدول تقاد «بالجوال» كما صرح أحد السياسيين العراقيين، لكن إذا أردت أن تكون محللًا سياسيًا بارعًا في العراق، أما أن تقوم بدراسة وتحليل سياسات الدول التي لها مصالح في العراق؛ حتى تتمكن من خلالها معرفة سبب تناقض الظواهر السياسية العراقية اليومية، أو تبني علاقة مع أي مسؤول سياسي مؤثر لكي يزودك بين الحين والآخر بالمعلومات السرية، التي من خلالها تحصل على سبق وتنبأ دقيق وتفسير واضح للمجريات السياسية، وعندها تتسابق الفضائيات لكي تطرح تحليلاتك من خلالها، فانتعش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد