تمثل فترة التاريخ السياسي الصيني منذ عام 1976 عودة الصين في سعيها الطويل إلى الثروة والسلطة، حيث تجاوزت الصين في هذه الفترة العواقب الوخيمة لحقبة (ماو تسي تونج)، واستأنفت مسار التنمية الذي تم التخلي عنه في أوائل الخمسينات، وعلى الرغم أن الصين كانت ولم تزل نظامًا استبداديًا، إلا أنها أصبحت أكثر نظامًا مؤسسيًا، ولم تعد تستحق التسمية «الشمولية»، لكن كان لم يزل الحزب الشيوعي الصيني ملتزمًا بالحفاظ على سلطته مع تخليه عن هدف السيطرة الكاملة على المجتمع الصيني.

هذا ومن السهل رسم تمييز حاد بين عصر الإصلاح وعصر ما قبل الإصلاح في الصين، إلا أن العديد من الأشياء لم تتغير أيضًا، حيث احتفظت الأيديولوجية الرسمية للصين بإشاراتها إلى فكر (ماو تسي تونج)، ولا تزال صورة (ماو) موجودة في كل مكان في البلاد وعلى كل شيء، كما وظلت قيادة الحزب الشيوعي هي المبدأ المركزي في الحياة السياسية في جمهورية الصين الشعبية، حيث لا يزال الحزب الشيوعي الصيني يمارس سياسة التعبئة الجماهيرية الثورية بشكل دوري، هذا وعلى الرغم من الخصخصة الواسعة النطاق، لا يزال الحزب ينظر إلى ملكية الدولة لقطاعات إستراتيجية من الاقتصاد (شركات الطيران، البنوك، موارد الطاقة والمصانع) باعتبارها أساسية.

أما بعد مرحلة الاقتراض المستمر وتقليد تجارب الإصلاح الشيوعي في أوروبا الشرقية، عمل فصيل (تشن يون) بجد من أجل التشكيك في الالتزام الأعمى بسياسات (ماو) الاقتصادية الستالينية، وبقاء الاعتماد على مجموعة من السياسات والمفاهيم الأيديولوجية والمؤسسات التي استخدمت منذ 30 عامًا وقادت إلى ما يسمى بويلات (ماو)، حيث قام الرئيس (تشن يون) وبشكل فعال بعمل إصدارات أكثر منطقية لسياسات (ماو) الاقتصادية، وعمل إصلاحات للأسواق المتواضعة في المناطق الريفية في عام 1962، والتي تسببت له في مشاكل سياسية مع (ماو)، حيث كان تبريره أن السياسات الاقتصادية يجب أن يحكم عليها فقط فيما إذا كانت تزيد الإنتاج، وليس على ما إذا كانت تتفق مع الأيديولوجية التجريدية.

وهكذا تم ترك أساس مهم من السياسات الاقتصادية وغيرها من سياسات الثورة الثقافية، كما وتم التأكيد على التنمية الاقتصادية، وذلك بإعطاء الكينونات الريفية الحكم الذاتي والحق في التجربة مع دفع الحافز، إضافة إلى أنه تم العمل على إعادة بناء المؤسسات السياسية، وإعادة تأهيل العديد من الضحايا البارزين للماوية، والتخلي عن الحركات الجماهيرية.

أما ما دفع التوازن في النهاية لصالح الإصلاح كان انتقاد (تشن يون) الفعال في عام 1979 لخطة عشرية طموحة للغاية (1976-1985) للتحديث الاقتصادي، والتي أظهرت بالفعل علامات في (1978-1979) بأنها تكرار للقفزة العظيمة، وذلك من خلال عقلية وضع أهداف إنتاج عالية بشكل غير معقول وتحت ضغط لإنتاج المزيد، لكن كان اقتراح (تشن يون) المضاد هو (إعادة تعديل وإصلاح، وإصلاح وتصحيح الاقتصاد)، وهو الذي بدأ تنفيذه بشكل حاسم وبراجماتية جديدة.

لهذا فإن الآراء التقليدية التي تقول إن الصين أصلحت اقتصادها أولًا ونظامها السياسي ثانيًا خاطئة، فقد سبقت التغييرات السياسية بطرق عديدة الإصلاحات الاقتصادية، حيث إن رفض الحزب الشيوعي للصراع الطبقي كهدف رئيس له في أواخر عام 1978 فتح الباب أمام العديد من التغييرات السياسية الهامة، وذلك لأنه خلال هذه الفترة من القرن الماضي كان ما يقرب من 5 ملايين شخص متهمين بشكل غير شرعي بمخالفة أوامر وتعليمات الحزب، كما أنهم كانوا مضطهدين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، بما في ذلك 1.6 مليون مثقف تم تبرئتهم سياسيًا لاحقًا.

هذا ووسع قانون صدر في 1979 الانتخابات الشعبية المباشرة لمندوبي الكونجرس من الناس في كل قرية (بلدة) إلى مستوى المحافظة، كما أعيد وضع التصويت داخل الحزب، وسمح للكوادر برؤية نص السياسات قبل أن يطلب منهم الموافقة عليها، وأصبحت حكومة القرية أيضًا أكثر خضوعًا للمحاسبة مع تمرير قانون في عام 1987، والذي سمح للقرى بحكم ذاتي واسع، وبانتخاب قادة لهم يتمتعون بسلطات كبيرة في شؤون القرية، وفي غضون عقد من الزمان انتخبت معظم قرى البلاد التي يقارب عددها مليون قرية قادتها.

كما تم إدخال مصطلح «الإصلاح السياسي» بشكل رسمي في المعجم الحديث لجمهورية الصين الشعبية في خطاب ألقاه الرئيس (دنغ شياو بينغ) في عام 1980، والذي انتقد فيه: (البيروقراطية، التركيز المفرط للسلطة، الأساليب الأبوية، حيازة السلطة في المناصب القيادية حتى المرض أو الموت، والامتيازات بمختلف أنواعها داخل قيادة الحزب)، لكن رفض العهد الماوي كان أكثر وضوحا مع صدور القرار في عام 1981 بشأن الأخطاء التي ارتكبها (ماو) والحزب منذ الانعطاف إلى اليسار في عام 1957، إلا أن (دنغ شياو بينغ) تعامل بحذر مع مؤسس جمهورية الصين الشعبية وأساطيرها التأسيسية، وكان يقول دائمًا أن مزاياه تجاوزت أخطاءه.

لكن منذ البداية كان (دنغ شياو بينغ) حريصًا على توضيح أن هناك حدودًا للإصلاح السياسي، حيث إنه صاغ ما يسمى «المبادئ الأساسية الأربعة»، وهي الالتزام بالاشتراكية إلى ديكتاتورية البروليتارية إلى قيادة الحزب الشيوعي الصيني وإلى الفكر الماركسي، اللينيني، ماو تسي تونج، وبعبارة أخرى الديمقراطية التي يحتاجها الشعب الصيني يجب أن تكون الديمقراطية الاشتراكية والديمقراطية الشعبية فقط، وليس الديمقراطية البرجوازية والديمقراطية الفردية، وهذا يعني أنه سيكون هناك دكتاتورية قائمة على قواعد معينة.

الإصلاح السياسي في الصين بدأ بإصدار دستور جديد في عام 1982 أعاد رسميًا مفاهيم المساواة أمام القانون، إلى جانب الحقوق الأساسية بما في ذلك المعتقد الديني، والكلام، والصحافة، والتجمع، والتظاهر، لكنه قدم أيضًا العديد من الانتكاسات، حيث كانت الحقوق مشروطة بواجب الحفاظ على «أمن وشرف ومصالح الوطن الأم»، كما لم يتم إدراج حقوق حرية التنقل والإضراب التي كانت في الدساتير السابقة لجمهورية الصين الشعبية.

هذا وكجزء من الجهود الرامية إلى إعادة تنشيط صفوف الحزب الشيوعي الصيني بين عامي (1982-1992)، أنشأ (دنغ شياو بينغ) لجنة استشارية مركزية، كمنظمة ذات قوة (ضئيلة) لإحالة كبار القادة المسنين إلى التقاعد، كما أطلق برنامجا للتتبع السريع للكوادر الشابة الواعدة، الذين حصلوا على تعليم جامعي ومهارات إدارية جيدة، كما أحييت المحاكم كهيئات شبه مستقلة، وذلك على الرغم من استمرار لجان الحزب في اتخاذ القرار النهائي بشأن القضايا الرئيسية، كما احتفظ الحزب بسيادته في التعيينات القضائية، لكن تعزز دور النظام القانوني في النظام السياسي للجان المقاومة الشعبية بمرور عام 1989، حيث إن قانون التقاضي الإداري سمح لأول مرة للمواطنين بمقاضاة الحكومة.

كما خفض (دنغ شياو بينغ) عدد جنود جيش التحرير الشعبي من 4 ملايين إلى 3 ملايين، إلا أنه بقي أكبر جيش دائم في العالم، لكنه أصبح جيشًا احترافيًا تحت سلطة مدنية بوضوح وبمشاركة هامشية فقط في السياسة، باستثناء السياسة تجاه تايوان، أما على المستوى الأعلى فانخفض عدد العسكريين في المكتب السياسي من 57% في عام 1977 إلى 10% بحلول عام 1992.

أما في الثقافة والتعليم فقد ظهرت بعض علامات التغيير في عام 1977، حيث تم رفع الحظر على أعمال بيتهوفن للاحتفال بالذكرى 150 لوفاته؛ مما سمح للأوركسترا السيمفونية الوسطى بأداء أعماله لأول مرة منذ عام 1959، كما تم إجراء امتحانات القبول الجامعي لأول مرة منذ عام 1965، وتجلى كل هذا التغيير في أكتوبر (تشرين الأول) 1977 حين ظهر نوع جديد من الكتابة عرف باسم «أدب الجرح»، والذي تناول المعاناة تحت حكم (ماو) لأول مرة.

هكذا ومع إزالة العقبات السياسية دخلت الصين في حقبة جديدة من إصلاح الاقتصاد والانفتاح على العالم في أوائل الثمانينات، حيث أدى هذا إلى تقوية وزيادة دور السوق (الخاص) مع تقليل التخطيط الحكومي في الاقتصاد، وإدخال الصين بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي، ومن الناحية الأيديولوجية تم تصوير ذلك ليس كتخلي عن الاشتراكية، ولكن كطريق أفضل نحو تحقيقها، حيث أعلن الحزب أن الصين كانت في المرحلة الأساسية للاشتراكية، والتي بموجبها كان الاقتصاد الرأسمالي المزدهر شرطًا أساسيًا للانتقال لاحقًا إلى ملكية الدولة الكاملة، وقيل إن (ماو) حاول أن يتخطى أو يضغط هذه المرحلة الحتمية من التطور التاريخي بالقفز بسرعة كبيرة إلى الزراعة الجماعية وتأميم الصناعة في أوائل الخمسينات.

الإصلاحات الاقتصادية والإصلاحات السياسية والانفتاح الدولي الذي بدأ تحت قيادة الرئيس (دنغ شياو بينغ) في الثمانينات شجع المجتمع الصيني وخاصة الشباب على قطيعة مضادة للماضي والانفتاح المتزايد على العالم الخارجي، بالإضافة إلى ضوابط أقل صرامة على المطبوعات المحلية، حيث ولد جيلًا من الشباب يعتنقون الغرب ويدرسون في الخارج، حتى أنه بين عامي (1978 – 2007)، كان أكثر من مليون طالب صيني يذهبون إلى الخارج للدراسة (فقط 30٪ منهم عادوا)، وجنبًا إلى جنب مع نمو ثقافة البوب والاستهلاكية كانت بعض الانتقادات الخطيرة للدولة تظهر خاصة في مجال الأدب، والذي كان طريقة للقول بأن بعض الناس قد أخذوا الإصلاحات إلى أبعد الحدود، وعبروا إلى منطقة «البورجوازية» المحرمة والمتمثلة في تحدي مبدأ قيادة الحزب.

كما كان لحملة التحرير ضد البرجوازية تأثيرا مهما بشكل خاص على مسار السياسة الصينية، حيث اعتقد (دنغ شياو بينغ) أن الأمين العام للحزب (هو ياوبانغ) لم يتعامل بحزم كاف مع المعارضة، خاصة في التعامل مع مظاهرات الطلاب من أجل إصلاح سياسي أسرع في أواخر 1986 إلى أوائل 1987، وأطاح به واختار رئيس وزراء جديد لتولي منصب الأمين العام للحزب في يناير (كانون الثاني) 1987، وقد أعطي للرئيس الجديد (زهاو) الكثير من الفضل في التنفيذ الناجح للإصلاحات الاقتصادية، كما كان على الخط السياسي الصحيح، إضافة إلى أنه ذهب بالإصلاحات السياسية إلى ما هو أبعد من تصور (دنغ)، وذلك من خلال العمل مع عدد من مراكز الأبحاث الجديدة في جامعات ومعاهد البحوث في بكين، وبشكل مباشر أكثر من خلال مجموعة بحث ومناقشة مركزية رسمية حول الإصلاح السياسي، كما أعطيت فيما بعد المباركة لدراسات التغيرات السياسية الجريئة، وأصبح مواطنو الصين يواصلون النظر في التحرير السياسي، ونقد الحكم الفردي للحزب الشيوعي الصيني كمواضيع صحيحة للمناقشة العامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد