سيدنا نوح، عليه السلام، من أولي العزم من الرسل، أبدع في دعوته ليلًا ونهارًا، جهارًا وإسرارًا، لكنهم استغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارًا، طالت دعوته واستمر فيها ألف سنة إلا خمسين عامًا، لم يتخل عن دعوته، ولم يترك رسالته ولم يتنح، ولن يستطيع أحد أن يتهمه بالفشل، رغم عدم استجابة الكثير لدعوته، لكنه لن يتحمل مسئولية عدم إيمانهم وعنادهم واستكبارهم.

أصحاب الدعوات والمصلحون يختلفون في توجهاتهم عن الأحزاب السياسية؛ لأن رسالتهم ربانية ودعوتهم إصلاحية، ومسئوليتهم توجيهية، ووسيلتهم مشروعية، ومن يعتقدون يومًا ما أن الإخوان المسلمين قد توقف عطاؤهم عند حادث الانقلاب على الثورة المصرية، فإن نظرتهم ضعيفة ومحدودة للغاية، فليس للانقلاب العسكري أن يوقف دعوة الإخوان المسلمين العالمية، فالعطاء ممتد ومستمر في داخل مصر وفي خارجها، بل في داخل السجون أيضًا.

لم يتوقف رصيد الجماعة عن إعداد وتربية الأجيال في طول البلاد وعرضها، من يتذكر محنة 1954، أو من عايش تلك الفترة يدرك أنه قد خاب ظن عبد  الناصر عندما اعتقد أنه قضى على الإخوان المسلمين ولم يتبق منهم شيء، ولا تكاد تسمع إلا همسًا، ومن يذكر اسم الاخوان المسلمين فقط وقتها تختطفه الأيادي إلى ما يسمى بـ«وراء الشمس».

لكن تلك الشمس كانت تصهر معادن الرجال، حتى ظهر في الآفاق جيل فريد متميز يصنع من محنته تاريخ أمته، وتكون دعوة الإخوان المسلمين ملء السمع والبصر، ويرحل عبد الناصر وأنصاره أمثال حمزة البسيوني وغيرهم من زبانية التعذيب في السجون، ولا تدري من أين خرج هذا الجيل؟ ومن رعاه ورباه؟ ومن تعهد بإخراجه من تحت ركام الفتنة وغياهب السجون؟ إنه كان بعثًا معجزًا لم يتوصل أحد حتى اليوم إلى كيف حدث ذلك، ومن كان يتعهد بالتربية لبعث ذلك الجيل من تحت رماد المحنة، حتى تزهر الأرض بغراس جديد.

عندما تنحسر رؤية النخب السياسية المصرية والمفكرين والمبدعين وأصحاب الأقلام، عندما تنحسر رؤيتهم في جماعة الإخوان المسلمين عند أحداث الثورة المصرية وما بعدها، فهذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر منهم، وإعادة دراسة تاريخ الجماعة التي يتحدثون عنها إيجابًا أو سلبًا.

لست هنا في مقام المدافع عن أخطاء الجماعة بقدر ما أنا في مقام استعادة قراءة تاريخ الجماعة ورؤيتها، وهيكلها، وتشعبها، وتشابكها، وتعقيدات التكوين الهيكلي للجماعة، الذي وضعها كأقوى تجمع مدني على مستوى العالم.

 أطراف الصراع الإقليمية والدولية تتفهم جيدًا تعقيدات هيكل جماعة الإخوان المسلمين؛ ولذلك كانت حربًا شديدة وبالغة تتساوى مع حجم جماعة الإخوان المسلمين، بلغت تلك الدعوة حدًّا يستحيل معه القضاء عليها أو النيل منها، «لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى»، انتشرت الفكرة عبر التنظيم، وتخطت الفكرة التنظيم حتى أصبحت واقعًا يتحرك به المصلحون من دون خضوع للمواءمات التنظيمية، أو بعض السياسات التي وضعتها الجماعة كتنظيم عالمي يتعامل مع الرؤساء والحكومات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فلن يبلغ الجميع من جماعة الإخوان المسلمين غير مجرد أذى سرعان ما يتلاشى وينتهي.

إننا أمام حالة من فشل النخب في مدى فهمهم لجماعة الإخوان المسلمين والتعامل معها على إنها مجرد حزب سياسي وليست جماعة دعوية جامعة، تحمل الخير للعالمين.
هذا الخطأ وقع فيه الكثير عند تناوله لتقييم أداء الجماعة، بين النجاح والفشل، حتى استغرق الكثير من هؤلاء جهده في حلقة مفرغة من الاتهام بالعجز والفشل، وبعث رسائل الإحباط التي لا تؤثر في إحداث تغيير الواقع بصورة عملية وواقعية وسياسية هادئة، من دون ضجيج، أوتبادل اتهام، وإساءة وتخوين، وانتهاك الأعراض.

ومن واجب الأفراد والجماعة أيضًا أن يتفهموا طبيعة رسالتهم ودعوتهم، وأن يجعل كل من هاجر منهم دعوته محور ارتكاز كبير في تفكيره وجهده وسعيه، رغم تحديات وواقع الهجرة المؤلم من ضيق في الرزق ومرارة الغربة، وأن يتحول إلى تدويل دعوته وتبليغها لكل من يصادفه في طريقه، وأن يحدث أثرًا طيبًا فيمن حوله، وأن يكون سفيرًا جيدًا لإسلامه ودعوته، وأن يعتقد اعتقادًا راسخًا أن ما يصيبه من أذى (وهو لا شك سيقع، نظرًا لعظم الغاية وعقبات الطريق)، ليس إلا من باب الابتلاء الذي يصقله، ويرفع من درجاته عند الله.

من المهم جدًّا أن يكون هناك ساعات للمراجعة وإعادة اكتشاف أنفسنا من جديد، وأن تكون دعوتنا في صدارة اهتماماتنا، عندها سندرك جميعًا حجم التقصير الذي نحيا به، وساعات الغفلة التي مرت علينا، وانسحاب بساط العمر من تحت أيدينا، وأن الواجبات أكثر من الأوقات.

إن كل فرد يحيا بغايته، لديه طاقة يستطيع من خلالها تغيير حال أمة بأسرها، لو أحسن توجيه تلك الطاقة الإنتاجية في مسارها الطبيعي. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد